عمّان- سمّت حركة أحرار الشام، يوم السبت الماضي، عامر الشيخ، المعروف بـ"أبو عبيدة درعا" قائداً عاماً جديداً للحركة، خلفاً لجابر علي باشا الذي شهدت فترة ولايته خلافات عدة كادت تؤدي إلى انقسام الحركة.

فخلال الأشهر الأخيرة تحديداً، شهدت "أحرار الشام" تصدعات داخلية ومحاولات انقلاب على جابر علي باشا، قادها القائد العام السابق للحركة حسن صوفان، والقائد العسكري الحالي فيها عناد درويش (أبو المنذر)، بعدما أعلن عدد من قادة التشكيلات العسكرية في الحركة بيعتهم لصوفان.

وتزامنت هذه التصدعات مع اتهامات لهيئة تحرير الشام بالسعي إلى الهيمنة على ما تبقى من فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا، عبر دعم انقلاب صوفان، وكذلك التستر بثوب جديد يحمل اسم "المجلس العسكري" الذي كان يفترض أن يجمع "تحرير الشام" وما تبقى من فصائل المعارضة في المنطقة. لكن هذا الخيار أصبح، على ما يبدو، صعب التحقق، لاسيما في حال أثمر اتفاق "أحرار الشام" الأخير عن حل مرضٍ لجميع الأطراف من شأنه ردم الهوة داخل "الحركة".

شخصية توافقية

جسد تعيين عامر الشيخ قائداً عاماً "اتفاقاً" بين طرفي الخلاف داخل "أحرار الشام"، كونه "شخصية توافقية مقبولة من كل الأطراف"، بحسب ما قال مسؤول شرعي رفيع في الحركة لـ"سوريا طول" شريطة عدم كشف هويته، لأنه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام. مضيفاً أن الشيخ "على علاقة طيبة بالجميع لذلك اختاروه لقيادة المرحلة ورأب الصدع".

وتبرز هذه التوافقية في أن الشيخ شغل سابقاً منصب قائد قطاع أحرار الشام الغوطة الغربية بريف دمشق، ثم قائداً لقطاع محافظة درعا منذ كانون الثاني/يناير 2015 وحتى خروجه إلى الشمال السوري عبر عمليات التهجير التي حصلت بموجب اتفاقات المصالحة (التسوية) في جنوب سوريا، في تموز/يوليو 2018. ولاحقاً بعد وصوله إلى الشمال السوري عين الشيخ قائداً لقطاع "غصن زيتون" (منطقة عفرين) الخاضع للنفوذ التركي، منذ الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2019 وحتى تعيينه قائداً عاماً للحركة. وهو ما يشير إلى أنه ليس شخصية توافقية داخل الحركة فحسب، وإنما على الصعيد الخارجي أيضاً، كون قطاع "غصن زيتون" من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة لتركيا في سوريا.

ووفقاً للاتفاق الذي عقد برعاية شخصيات ميدانية وشرعية معتدلة بين طرفي النزاع في "أحرار الشام"، والذي لم تتضح تفاصيله كاملة حتى اللحظة، "سيشكل أبو عبيدة مجلس القيادة الجديد وعلى الأغلب سيكون فيه ممثلين من الطرفين وأظن أن صوفان سيكون فيه"، بحسب المسؤول الشرعي. ما يعني أن الخلاف سينتهي بتقاسم التيارات المتصارعة داخل الحركة النفوذ والسلطة.

إضافة إلى ذلك، فإنه "أهم ما في التسوية، تولي القائد الجديد مهام القيادة العسكرية أيضاً"، بحسب أبو يحيى الشامي، الباحث في السياسة الشرعية والقانون الدولي، والذي عمل سابقاً مع هيئة تحرير الشام والعديد من الفصائل شمال غرب سوريا. إذ إن ذلك "قد ينهي وجود تيارين ضمن الحركة"، كما أضاف لـ"سوريا على طول".

صوفان في التسوية

في كانون الأول/ديسمبر 2016، خرج حسن صوفان من سجن صيدنايا، بصفقة تبادل أسرى بين "أحرار الشام" ونظام الأسد، ليتولى حينها منصب رئيس مجلس شورى "الحركة". ثم في آب/أغسطس 2017، عين قائداً عاماً جديداً للحركة.

وفيما ظُن أن صفحة صوفان طويت، في 21 أيار/مايو 2019، بإعلانه الاستقالة من قيادة "أحرار الشام"، فقد عاد بعد أشهر من ذلك، ليبدأ قيادة التصدعات ومحاولات الانقلاب داخل "الحركة".

واستناداً إلى الثقل العسكري لتيار صوفان داخل "أحرار الشام"، فإنه قد يحظى خلال الفترة القادمة بمكانة ونفوذ داخل مجلس القيادة المزمع تشكيله من قبل القائد العام الجديد. وهو ما لم يستبعده أبو يحيى الشامي، لكن ليس في حال "عاد الانسجام إلى مكونات الحركة وزالت الخلافات والفوارق"، كما أضاف، إذ سيكون دور صوفان حينها "عادياً جداً".

في السياق ذاته، برزت تساؤلات عن العلاقة التي ستربط القائد الجديد عامر الشيخ وتيار صوفان، لاسيما وأن القياديين يحسبان على تيار سجناء "صيدنايا"، حد اعتبار تعيين الشيخ حسماً للخلاف في "أحرار الشام" لصالح هذا التيار عموماً، وصوفان على وجه التحديد. 

لكن أبو يحيى الشامي، ذكر أن "عامر الشيخ -كما أعلم- قريب من سلفه جابر علي باشا، وهو ميدانياً قريب من كل الأطراف، ولا تقربه رابطة صيدنايا من صوفان أكثر". مرجحاً "أن رابطة صيدنايا مضى زمانها واندثرت".

وهو ما أكده المسؤول الشرعي في "أحرار الشام"، معتبراً أن "ما يشاع عن قربه [عامر الشيخ] من الهيئة [تحرير الشام] أو أنه محسوب على صوفان عارٍ عن الصحة".

في مقابل الاتجاهين السابقين، رأى مصدر وثيق الاطلاع على التطورات في "أحرار الشام" أن كلا من جابر علي باشا حسن صوفان لن يكون لهما دور قادم. مضيفاً لـ"سوريا على طول" أن "توزيع القوى" في مجلس القيادة الجديد ما يزال حتى اليوم "قيد العمل حتى إقراره من قبل القائد الجديد". مشيراً إلى إمكانية العودة في تشكيل المجلس إلى "التمثيل المناطقي، بحيث سيمثل كل منطقة أخ ضمن مجلس القيادة. والمناطق هي: إدلب، وحمص، وحماة، والغاب، والشام [دمشق]". موضحاً أن "التمثيل سيكون باسم المنطقة دون الدخول بأعدادها وثقلها".

"تحرير الشام" في التسوية

على الرغم من تقاطع المصالح بين هيئة تحرير الشام وصوفان، والتي "التقت في المجلس العسكري الجديد الذي يجري التحضير له، وترفضه قيادة [أحرار الشام بقيادة جابر علي باشا]"، بحسب ما قال قيادي سابق في الحركة تحدث إلى "سوريا على طول" في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلا أنه لا يبدو أن "الهيئة" لعبت دوراً ملحوظاً في "التسوية" الأخيرة لخلافات "أحرار الشام".

إذ خلال الأشهر الثلاثة الماضية، قادت "تحرير الشام" مشاورات ومساع لأجل تشكيل "المجلس العسكري" الذي يفترض أن يجمعها مع فصائل المعارضة المتبقية في شمال غرب سوريا، ضمن "غرفة عمليات واحدة عالية التنسيق" قد تصبح لاحقاً جسماً عسكرياً موحداً، وفق ما ذكر سابقاً لـ"سوريا على طول"، رئيس المكتب السياسي في الجبهة الوطنية للتحرير، مروان نحاس.

وكلفت "تحرير الشام" ثلاثة أشخاص مهمة تشكيل المجلس العسكري، هم: عناد درويش (أبو المنذر)، رأس الحربة في الانقلاب في "أحرار الشام"، و"أبو الحسن 600"، القيادي في الهيئة، ومحمد حوران، ممثلاً عن فيلق الشام. وهو ما عزز الاتهامات التي وجهت لـ"تحرير الشام" بشأن دعم صوفان.

وذهب الباحث الشامي إلى أن "هناك بعض التهويل بشأن دور هيئة تحرير الشام في الخلاف داخل الحركة". مضيفاً أن "تحرير الشام تتعامل الآن مع الفصائل المنضوية تحت الجيش الوطني بدبلوماسية، ولا تتدخل في الخلاف أو الاتفاق بالطريقة التي ضجت بها بعض الأصوات".

وهو ما ينطبق أيضاً على دور "الهيئة" في الاتفاق الأخيرة في "أحرار الشام"، بحسب الشامي، إذ "لم أعلم أن أحداً من الهيئة سعى في الصلح، ولا أظن أن ذلك يقبله كل الأطراف". 

وفيما عبر الشامي عن تفاؤله بالقيادة الجديدة، و"أن الحركة تمضي باتجاه الأفضل تنظيمياً"، فقد ذهب إلى أن "مكانة الحركة المعروفة فكرياً وميدانياً تراجعت كثيراً، ولا أرى أنها تستعيدها بالمعطيات الحالية".