مقاتلون من الجبهة الوطنية للتحرير الموالية لتركيا في محافظة حلب، يوم الأحد. تصوير: عارف وتد /AFP.

أصبح اتفاق المنطقة العازلة في شمال غربي سوريا، عرضة للانهيار نتيجة تصعيد كبير في عمليات القصف، التي اختبرت العلاقات بين الضامنين الروسي والتركي، وذلك بعد توقف العنف المتبادل بين القوات الموالية للحكومة والمعارضة عدة أشهر.

ووفقاً لمصادر على الأرض، استهدفت طائرات حربية، منها طائرات روسية، عدداً من مواقع المعارضة الواقعة ضمن المنطقة منزوعة السلاح، والتي تمتد عبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظتي حماة وإدلب يوم الأحد.

ومن ناحية أخرى، اعترفت وزارة الدفاع الروسية بمسؤوليتها عن سلسلة من الغارات الجوية على مواقع المعارضة في المناطق الغربية من محافظة حلب خارج المنطقة العازلة، وفقاً لموقع إخباري تابع للحكومة الروسية، وأفادت تقارير بأن روسيا أبلغت تركيا بالضربات الجوية القادمة قبل وقوعها، بحسب ما أفادت به عدة مواقع إخبارية ناطقة بالعربية.

وقتل ثمانية مدنيين في الهجمات، التي وقعت جنوب محافظة إدلب، حسب تصريح المتحدث باسم الدفاع المدني السوري المحلي أحمد شيخو لسوريا على طول، صباح يوم الاثنين.

وجاءت عمليات القصف، بما في ذلك صواريخ أرض- أرض والقصف المدفعي، كردّ على هجوم كيماوي مزعوم من قبل فصائل المعارضة في مدينة حلب، مساء يوم الأحد، والتي أسفرت عن إصابة أكثر من ١٠٠ مدني.

وبحسب وكالات الأنباء السورية، أطلق متشددون قذائف مدفعية تحتوي غاز الكلور السام على حي الخالدية في حلب، وينتظر المحققون الدوليون المعنيين بالأسلحة الكيميائية أن يقوموا بفحص موقع الهجوم المزعوم.

وقال فرناندو أرياس، مدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، للصحفيين، يوم الاثنين، أن وكالته ستعمل على التحقيق بالهجوم الكيميائي المزعوم في حلب.

ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، هي مجموعة مراقبة حققت في العديد من الحالات الأخرى المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية في سياق الحرب السورية.

وشكّل قصف يوم الأحد، تصاعداً كبيراً للعنف شمال غربي سوريا منذ منتصف أيلول، عندما حدد اتفاق تركي- روسي منطقة منزوعة السلاح، تحيط بمحافظة إدلب، وتمتد عبر ١٥-٢٠ كم، وتضم أيضاً المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حماة وحلب.

ورغم حدوث اشتباكات بين مقاتلي الحكومة والمعارضة بشكل شبه يومي على طول الخطوط الأمامية المترامية الأطراف في شمال غرب سوريا، منذ دخول المنطقة العازلة حيز التنفيذ في ١٧ أيلول، فإن الاتفاق ساهم في تفادي هجوم متوقع على نطاق واسع على آخر معقل للمعارضة شمال غرب البلاد.

ومع ذلك، فإن تصاعد العنف هذا الأسبوع، يشكّل اختباراً لحدود المنطقة منزوعة السلاح، فضلاً عن تنسيق موسكو مع أنقرة حول مستقبل الاتفاق.

وقال قيادي في أحد الفصائل التابعة للجيش السوري الحر، لسوريا على طول، صباح يوم الاثنين "إن الاتفاق مهدد بالانهيار في أي لحظة، والأتراك يراقبون ما يحدث أمام أعينهم".

وتبقى تركيا، التي تدعم عدة فصائل معارضة، وتتمركز قوات المراقبة التابعة لها في عدة مواقع في شمال غرب سوريا، الضامن الفعلي الأساسي للاتفاق، كما أن لأنقرة تأثير كبير على أجزاء كبيرة من إدلب وحلب، ولكنها مسؤولة عن كبح جماح المعارضة هناك، وفي نفس الوقت إزالة الفصائل المتشددة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام.

وقال نيكولاس هراس، محلل مقيم في العاصمة واشنطن، لسوريا على طول عبر الهاتف يوم الاثنين "من المفترض أن تكون تركيا الطرف العاقل في المنطقة عندما يتعلق الأمر بالمعارضة، فروسيا عقدت الاتفاق مع تركيا وليس المعارضة".

ووفقاً لهراس، فإن قصف الأحد يشكل "إشارة للأتراك بأنهم بحاجة إلى استخدام قبضة حديدية عندما يتعلق الأمر بالمعارضة".

وبقي استمرار الاتفاقية الروسية -التركية محلّ شكّ منذ أن تم إبرامها في ١٧ أيلول، مع تأكيد من الحكومة السورية ومن مؤيديها الروس بأن الاتفاقية ستكون مؤقتة.

وبعد مرور أشهر، لم يعلن أيّ من الطرفين عن خطط محددة لتغيير الاتفاقية أو الانسحاب منها، إلا أن المحلل هراس أضاف أن تصاعد عمليات القصف هو "وسيلة روسيا للإشارة إلى أنه لم يكن هناك نيّة لجعل المنطقة منزوعة السلاح شيئاً مستمراً في المشهد السوري".

وتحدث قادة المعارضة على الأرض في إدلب وحماة عن مخاوف مماثلة في مقابلات مع سوريا على طول، يوم الاثنين.

وصرح النقيب ناجي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتحرير، المدعومة من تركيا، وهي تحالف رئيسي للمعارضة في شمال غرب سوريا، لسوريا على طول، يوم الاثنين "توقعنا ذلك عندما تم توقيع الإتفاق".

وأضاف ناجي "الانتهاكات المستمرة والمتكررة للاتفاقية هي أيضاً دليل على ذلك، يجب على الروس منع هذه الانتهاكات باعتبار أنهم طرف ضامن، لكن يبدو أنهم متواطئون مع الحكومة السورية".

وضع "غير مستقر"

دعت اتفاقية ١٧ أيلول إلى إنشاء منطقة عازلة تمتد من ١٥ إلى ٢٠ كم بين القوات الموالية للحكومة وقوات المعارضة في محافظة إدلب وضواحيها، وهي المنطقة التي تشكل المعقل الرئيسي الأخير للمعارضة في سوريا.

ووفقاً لنص الاتفاقية، توجب إزالة الأسلحة الثقيلة من المنطقة العازلة بحلول ١٠ تشرين الأول، وكان من المتوقع أن تقوم "مجموعات إرهابية متطرفة" غير محددة بإزالة قواتها بالكامل قبل ١٥ تشرين الأول.

وبحسب قادة المعارضة الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، في ذلك الوقت، سحبت فصائل المعارضة الأسلحة الثقيلة قبل الموعد النهائي المحدد مسبقاً، ومع ذلك، أبدت جماعات المعارضة استعدادها للدفاع عن مواقعها، في الأسابيع الأخيرة.

وقال ناجي، المتحدث باسم الجبهة، يوم الإثنين "إذا شن النظام هجوماً فنحن مستعدون لصده".

ورغم رغبة المعارضة في التمسك بجوانب الاتفاق، إلا أن هناك أنباء تفيد بأن الجماعات المتشددة مثل هيئة تحرير الشام، لم تخل مواقعها داخل المنطقة العازلة.

ووضعت بنود الاتفاقية، التي تم التوصل إليها في قمة ثنائية بين تركيا وروسيا في منتجع سوتشي على البحر الأسود، المسؤولية على أنقرة لإجبار معارضة إدلب والفصائل المتشددة على تنفيذ البنود .

وأشارت جماعات معارضة أخرى، بما فيها هيئة تحرير الشام، إلى أنها قد تكون غير راغبة في التخلي عن أسلحتها أو الانضمام إلى تكتلات المعارضة المدعومة من تركيا، الموجودة في الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، في حين أبدا بعضها رغبة في القيام بذلك.

وأكد هراس على أن استئناف الغارات الجوية يعكس "فقط ... مدى عدم الرضا عن الوضع".

ويعتبر شمال غرب سوريا الذي تسيطر عليه المعارضة، ملجأ لما لا يقل عن مليون سوري نزحوا من جميع أنحاء البلاد، وذلك إثر سلسلة من اتفاقيات الإجلاء التي أخرجت المقاتلين وعائلاتهم وغيرهم من المدنيين من المناطق، التي تسيطر عليها المعارضة في جميع أنحاء البلاد إلى الشمال منذ عام ٢٠١٦.

 

ترجمة: سما محمد