عمان- مع اقتراب بدء العام الدراسي 2019 / 2020، تعود مأساة حرمان الأطفال السوريين من التعليم، لاسيما في منطقة شمال غرب سوريا، آخر المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق والتي تستهدفها القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، بإسناد من القوات الروسية، بهجوم متواصل منذ نهاية نيسان/أبريل الماضي.

وفي مقابل التحاق 414 ألف طالب وطالبة، العام الدراسي الماضي، بمدارس أو مراكز تعليمية بدائية، بلغ عدد المتسربين في العام ذاته 220 ألف طفل وطفلة العام الماضي، بحسب ما ذكر محمد الحسين، مدير مكتب الإحصاءات في وزارة التربية في "حكومة الإنقاذ" التابعة لهيئة تحرير الشام؛ الفصيل العسكري الأقوى في المنطقة. 

ورغم العدد المرتفع أصلاً للطلبة المتسربين، فإن من المتوقع زيادته بشكل حاد في العام الحالي، نتيجة الهجوم الحكومي-الروسي الذي أدى إلى تهجير 1,044,752 مدني منذ نهاية شهر نيسان/أبريل الماضي وحتى 2 أيلول/سبتمبر الحالي. وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع عدد المخيمات الرسمية والعشوائية في محافظة إدلب من 1041 إلى 1132 مخيماً، لن يتوفر في كثير منها مدارس أو حتى مراكز تعليمية أولية. 

إذ حتى ما قبل التصعيد العسكري في المنطقة، كشف تقرير "المدارس في مخيمات الشمال السوري" الصادر عن وحدة تنسيق الدعم في تشرين الثاني/أكتوبر 2018، أنه من أصل 226 مخيماً في إدلب وشمال حلب شملها التقرير، كانت توجد مدارس في 62 مخيماً فقط، في مقابل 164 مخيماً آخر لا تتواجد فيها مدارس على الإطلاق. فيما يقدر "منسقو الاستجابة" عدد النازحين الجدد ممن هم في سن الالتحاق بالمدرسة بحوالي 191,233 نازحاً.

أيضاً، شمل التصعيد منذ نيسان/أبريل الماضي تدمير القوات الحكومية والطيران الروسي للبنى التحتية، بما فيها المدارس. إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 125 حادثة اعتداء على المدارس حتى 15 أيلول/سبتمبر 2019، توزعت حسب الجهة الفاعلة إلى 101 مدرسة استهدفها القوات الحكومية، و24 مدرسة تم استهدافها من الطيران الروسي. كما قتل 272 طفلاً في سن التعليم، بحسب مدير الشبكة فضل عبد الغني.

حكومتان وعجز واحد

عدا عن اضطراره إلى النزوح من ريف معرة النعمان الشرقي إلى مخيم عشوائي على أطراف بلدة سرمدا قبل شهر، يبدو نوفل العبود، المدرس لمرحلة التعليم الأساسي منذ العام 2013، مضطراً إلى العمل في مهنة أخرى "لكسب لقمة العيش". معللاً ذلك، في حديثه إلى "سوريا على طول"، بـ"ندرة الدعم المقدم لقطاع التعليم، وعجز وزارة التربية عن دفع مستحقاتنا"، إلى حد أن "غالبية المعلمين الذين ما يزالون يمارسون مهنة التعليم يعملون بشكل تطوعي من دون راتب".

ووصف الحسين واقع التعليم في شمال غرب سوريا بأنه "حالة عجز هائلة، لعدم وجود دعم دولي يغطي القطاع التعليمي"، مستدركاً أن وزارة التربية والتعليم في "حكومة الإنقاذ" تسعى إلى التعامل مع هذه الحالة من خلال الإمكانات الموجودة. إذ إننا نتحمل المسؤولية أمام آلاف الطلبة الذي يجب أن يلتحقوا بالتعليم هذا العام، خاصة بعد نزوح أعداد كبيرة منهم من الجنوب إلى الشمال، وفقداننا العديد من المجمعات التربوية في المناطق التي سيطر عليها النظام مؤخرا إما بالقصف أو بالسيطرة [الفعلية]".

وتتمثل سياسة "الإنقاذ" عشية بدء العام الدراسي في 21 أيلول/سبتمبر الحالي، بحسب ما قال الحسين لـ"سوريا على طول" في "زيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس المتاحة، وتوزيع الطلبة على ثلاثة أفواج؛ صباحية ووقت الظهيرة ومسائية. كما بدأنا بإنشاء خيم تعليمية داخل المخيمات. إضافة إلى حلول جزئية لمن يقطنون في أماكن بعيدة، حيث يمكن الاعتماد على نقاط التعليم المنزلية، وإن كانت لا تقوم بدور المدرسة بشكل كامل. و[من ناحية أخرى] نحاول الاستفادة من المعلمين النازحين مؤخراً بتوزيعهم على المدارس المتاحة".

العجز ذاته تكشف عنه وزيرة التربية والتعليم في الحكومة المؤقتة المنبثقة عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والتي تنازعها "حكومة الانقاذ" السلطة في شمال غرب سوريا، بما في ذلك السيطرة على التعليم

إذ اعتبرت وزيرة التربية والتعليم في الحكومة المؤقتة هدى العبسي أن "تأمين مدارس للأطفال [في شمال غرب سوريا] يحتاج لميزانية دول"، وأن هناك "6000 مدرس لا نملك مورد لتغطية رواتبهم". مشيرة إلى أن الحكومة تبذل "مساع حثيثة لاستقطاب دعم دولي، وما نزال ننتظر ردا من أكثر من جهة داعمة".

تشدد في مقابل تشدد

أحد أسباب نقص الدعم الذي يمس القطاعات كافة، بما فيها التعليم كانت فرضت هيئة تحرير الشام، المدرجة على قوائم الإرهاب العالمية، سيطرتها على محافظة إدلب، ثم تشكيلها "حكومة الإنقاذ" في العام 2017. إذ تضع الدول والمؤسسات المانحة، كما تلفت العبسي، "شروطاً قاسية خشية احتمالية وصول الدعم المقدم من هذه الدول والمؤسسات إلى متطرفين".

أحد المتأثرين بتشدد المانحين كان المدرسة الوحيدة الموجودة في مخيم التنمية، والتي كانت تقدم التعليم "لنحو 150 طالبا من أصل 400 طالب في سن التعليم" في المنطقة التابعة لقرية أطمة على الحدود التركية. إذ توقف عمل المدرسة "قبل عام تقريبا، بحكم انقطاع التمويل المقدم لها بسبب سياسة المنظمات المتشددة على صعيد تقديم الدعم"، بحسب ما ذكر مدير المخيم أنور إدلبي لـ"سوريا على طول".

علماً أن عدد قاطني المخيم ارتفع نتيجة التصعيد الحكومي-الروسي الأخير "من نحو 90 عائلة إلى 350 عائلة قدمت من مناطق جبل الزاوية".

ووصفت فاطمة حاج قدور التي تعيش اليوم مع أطفالها الأربعة وأمها وأبيها في خيمة مهترئة وضع مخيم التنمية بأنه "سيء جداً لكنه أفضل حالاً من العيش في العراء". وهو ما يجعلها تركز تفكيرها على "كيف سأؤمن لهم الطعام كي لا يناموا جياعاً"، كما قالت لـ"سوريا على طول". متسائلة: "كيف ستقنع طفلك أن التعليم أهم من الأكل، في ظل عدم توفر أي مقومات حتى للتعليم هنا".

وهو ما أكد عليه الإدلبي بأنه "في ظل الظروف التي عاشها أطفالنا، أصبح تفكير الطفل حالياً محصوراً في كيفية جمعه لبعض الحطب والبلاستيك والقش لتقيه شر البرد؛ فنحن على أبواب فصل الشتاء. كما أننا على مستوى مدرسة التنمية نتمنى أن يتم تقديم ولو قرطاسية صغيرة للطالب، لأن أوضاعه لا تسمح له بشراء قلم".

إزاء كل هذه الظروف القاسية التي تضرب بالعملية التعليمية في شمال غرب سوريا، ذهب المدرس العبود إلى "أن النظام السوري وحليفته روسيا، و المنظمات التي قطعت دعمها، يريدون خلق جيل جاهل في مناطقنا لا يعرف سوى لغة البارود والحجارة".