"كل عام وأنتِ السلام وسط هذه الفوضى"، بهذه العبارة خاطبت ديمة البري المرأة السورية بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يحتفل به في 8 آذار/مارس من كل عام، مرفقة ذلك بلوحة فنية رسمتها بريشتها تعبر عن نساء يكافحن من أجل الحياة في وجه القصف.

فرغم وجود "واقع أفضل تعيشه المرأة، اليوم، من حيث المشاركة في ميدان العمل، كذلك صار لها صوت ودور في مواقع سياسية كانت موصدة أمامها سابقاً"، كما قالت ديمة (22 عاماً) لـ"سوريا على طول"، فإن "الحرب زادت من نسبة الانتهاكات ضد المرأة بنسبة أكبر".

وفيما اتفقت نساء سوريات تحدثن إلى "سوريا على طول" على أهمية جهود المجتمع الدولي، عبر جهات مانحة ومنظمات محلية، في دعم المرأة وتمكينها في الداخل السوري، فإن كثيراً من النساء السوريات ما زلن يبحثن عن أهم حقوقهن، وهو المتمثل في "السلام والأمان"، بحسب مزن الجندي، مديرة مركز "النساء الآن" في مدينة معرة النعمان بمحافظة إدلب، والتي سيطرت عليها القوات الحكومية مؤخراً، متسببة في نزوح سكانها إلى الشمال.

وقالت الجندي لـ"سوريا على طول: "المرأة السورية اليوم في أسوأ أوضاعها. معظم النساء نزحن من بيوتهن، وفقدوا أولاداً لهن كما أزواجهن. ذلك حملهنّ أعباء كبيرة، من قبيل إعالة أسرهنّ وتأمين سبل الدفء، إلى جانب الواجبات المنزلية".

في هذا السياق، توقفت أنشطة تمكين المرأة في شمال غرب سوريا، بفعل التصعيد العسكري للقوات الحكومية والمليشيات المساندة لها على امتداد الأشهر الماضية. إذ بحسب الجندي "كان لمنظمة "النساء الآن" مركزان في سراقب ومعرة النعمان، تستفيد منهما نحو 1300 سيدة وفتاة سنوياً، لكن تم تعليق عمل المنظمة بسبب التطورات الأخيرة، ونزوح معظم الكادر".

وبحسب تقرير صادر أمس عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بمناسبة يوم المرأة العالمي، فقد قتلت 28,316 أنثى منذ اندلاع الثورة السورية، في آذار/مارس 2011، نحو 21,933 منهن قضين على يد النظام السوري، فيما حلّت القوات الروسية المتحالفة مع النظام ثانياً بـ1,578 ضحية. إضافة إلى اعتقال واختفاء نحو 9,668 أنثى، 8,156 منهن على يد النظام السوري.

واعتبرت نور الخطيب، مسؤولة توثيق الانتهاكات ضد المرأة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن المرأة السورية "تعاني من طيف واسع من الانتهاكات. لكن ما تركز عليه الشبكة هي الانتهاكات الجسيمة بشكل رئيس". مشددة في حديث لـ"سوريا على طول" على أن المرأة "تأثرت بشكل مضاعف عن باقي فئات المجتمع السوري من تداعيات النزاع في سوريا، وذلك تبعاً لدورها ومكانتها في المجتمع والمسؤوليات التي تتحملها". منبهة إلى أن "الانتهاكات ضد المرأة لا تنعكس عليها فحسب، وإنما تؤثر على الأسرة وتماسكها".

الحلم بأبسط الحقوق

بنوع من التهكم الذي يحاول إخفاء أسى شديد، ردت عبير محمد (28 عاماً) على سؤال لـ"سوريا على طول" بشأن طبيعة حياتها اليومية: "إذا أردتُ غسيل الملابس، عليّ الانتظار إلى أن تتوفر الكهرباء، أي عند الساعة السادسة مساءً". مضيفة: "طبعاً الكهرباء أمبيرات، والأمبير الواحد بـ7000 ليرة سورية شهرياً، والغسالة عادية وليست أوتوماتيك".

عبير التي تعيش في مدينة الباب بريف حلب الشمالي مع زوجها و4 أطفال، منذ نزوحها عن الغوطة الشرقية في آذار/نيسان 2018، بعد سيطرة القوات الحكومية عليها، حلمها الأكبر حالياً "أن تعيش بين جدران مطلية، وتستقر في بيت واحد لسنة كاملة"، فهي وأسرتها كما قالت "مستعدون دائماً للانتقال من بيت لآخر".

رغم ذلك، فإنها لا تفكر في الخروج مما تصفه بـ"السجن الكبير الذي أعيش فيه"، لأنه "لا يمكننا عبور الحدود [نحو تركيا] بطريقة نظامية. أما طرق التهريب فخطرة ومكلفة ولا يمكننا تحمل ذلك".

لوحة تجسد المخاطر والتحديات التي تواجهها الفتيات السوريات كما آمالهن، بريشة ديمة البري، 28/ 2/ 2020 (من المصدر)

 

أيضاً، فيما يبدو الحديث عالمياً عن تمكين المرأة سياسياً، فإن كل ما تريده اليوم زهور حسان (30 عاماً) هو "بيت يسترني مع عائلتي، تتوفر فيه أبسط مستلزمات المعيشة الأساسية، وفرصة تمكنني من استكمال تعليمي الذي انقطعت عنه منذ العام 2016".

وتضيف الشابة المهجرة من ريف دمشق إلى مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي: "أتحمل أعباء إضافية من قبيل عدم الاستقرار، ما يدفعني إلى البحث عن فرصة عمل، على أن تكون آمنة، بحيث يمكنني الذهاب إلى العمل والعودة". 

نظرة المجتمع

خلال الأسابيع الماضية، خطفت ثلاث نساء سوريات الأضواء. إذ بعد ترشيح وعد الخطيب وأماني بلور لنيل جائزة الأوسكار، في شباط/فبراير الماضي، عن فلميهما "إلى سما" الذي يصور حصار أحياء حلب الشرقية، و"الكهف" الذي يصور الجهود لمساعدة الضحايا في أحد مستشفيات الغوطة الشرقية الميدانية، منحت وزارة الخارجة الأميركية، في آذار/مارس الحالي، الناشطة السورية آمنة خولاني، الجائزة الدولية للمرأة والشجاعة، على جهودها المبذولة في قضايا حقوق الإنسان والسلام في سوريا. 

وعد الخطيب (يمين الصورة) وأماني بلور (يسار الصورة)

 

لكن في مقابل هكذا إنجازات، كان الجدل بين ناشطين سوريين بشأن لباس وعد الخطيب وأماني بلور. إذ فيما ارتدت الخطيب فستاناً مطرزاً بعبارة "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة"، ارتدت بلور حجاجها مع معطف طويل. وهو جدل يصور جانباً من جوانب معاناة المرأة السورية. 

وكما قالت لـ"سوريا على طول" لبنى مرعي، الناشطة الإعلامية من مدينة جبلة في منطقة الساحل السوري والمقيمة حالياً في الولايات المتحدة، فقد "وصلت وعد الخطيب للأوسكار، وفيلمها يستحق مليون أوسكار. [لكن] هناك أناس يعطون لأنفسهم الحق في انتقاد لباسها، والحق في انتقاد أماني بلور لأنها حافظت على حجابها". معتبرة أن "مجتمعنا سطحي، عندما يكون أكبر همه لباس البنت ومع من خرجت، وفي المقابل يهمل تماماً ماذا عملت أو قدمت". وهو ما تعانيه أيضا عبير محمد. 

يندرج في السياق نفسه، من وجهة نظر الناشطة نيفين حوتري، العضو في وحدة دعم وتمكين المرأة، ومقرها في سوريا، تلك الصورة التي تروجها بعض المنظمات والمشاريع العاملة في تمكين المرأة، من خلال تصويرها على أنها "ضعيفة وبحاجة للتعاطف"، على عكس صورتها الحقيقية "كامرأة مناضلة تبني وتثمر، وقادرة على تمثيل نفسها وتحديد احتياجاتها، ولا تنقصها سوى الأدوات".