مدة القراءة: 7 دقائق |

أمام طرق مسدودة: 1,600 عائلة سورية في لبنان يسجلون على “العودة الطوعية”


أكتوبر 21, 2022

بيروت- من المتوقع عودة 1,600 عائلة سورية لاجئة في لبنان إلى سوريا، في غضون الأسابيع القادمة، بموجب خطة حكومية مشتركة لبنانية-سورية لإعادة اللاجئين، وتشكل الأزمة الاقتصادية سبباً رئيساً وراء قرار العودة بالنسبة للعائلات، كما ذكرت عدد منهم لـ”سوريا على طول”.

“الوضع الاقتصادي سيء في سوريا، كما هو الحال في لبنان، إلا أننا على الأقل سنكون في وطننا”، كما قال لاجئ سوري في عرسال، ينتظر مع عائلته إشعاراً بموعد العودة من المديرية العامة للأمن العام اللبناني.  

تدّعي السلطات اللبنانية على أن جميع عمليات العودة المُقررّة تسير من دون ضغط على المسجلين، كما أوضح لـ”سوريا على طول” العقيد سليم البرجي، المتحدث الرسمي باسم المديرية العامة للأمن العام اللبناني، وهي الجهة التي تنظم عمليات العودة، مشدداً على أن “العودة طوعية. لدينا 1,600 عائلة مسجلة، عائلات بأكملها، ليس نساء وأطفال فقط”.

تمثل العائلات المسجلة الدفعة الأولى من أصل دفعات عدّة تنظمها السلطات اللبنانية، لكن لم يحدد حتى الآن موعد عبورها إلى سوريا، لأن الأمن اللبناني ما زال في مرحلة تنسيق الأمور اللوجستية مع السلطات السورية، بحسب البرجي.

منذ عام 2018، يعمل الأمن العام اللبناني على تيسير عملية عودة اللاجئين إلى سوريا، غير أنها أُوقِفت خلال جائحة كوفيد-19، “وتُستأنف اليوم عمليات العودة الطوعية”، كما قال وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني، هيكتور حجار، لـ”سوريا على طول”.

في الأسبوع الماضي، كشف اللواء عباس إبراهيم مدير عام الأمن العام اللبناني تنظيم لبنان عودة 485,000 لاجئ منذ عام 2017، وهو رقم صادم مقارنةً بالبيانات التي جمعتها مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي وثقت عودة 5,192 لاجئاً من لبنان في عام 2022 من أصل  71,771 لاجئاً منذ عام 2016.

عودة اللاجئين من لبنان إلى سوريا ليست ظاهرة مستجدة، إلا أنّ العودة الجماعية المخطط لها لـ1,600 عائلة تشكل ارتفاعاً ملحوظاً في معدل عمليات العودة من لبنان، البلد الذي يعيش فيه 90% من اللاجئين السوريين في فقر مدقع جرّاء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي بدأت منذ عام 2019.

الظروف الاقتصادية التي يرزح لبنان تحت وطأتها، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة خطاب الكراهية ضد اللاجئين، تجعل إطلاق صفة “الطوعية” على عمليات العودة محط تساؤلٍ وشك، بحسب ناديا هاردمان، الباحثة في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، معتبرة أن “السياق في لبنان قسري؛ إذ تتجلى سياسة الحكومة اللبنانية بجعل حياة اللاجئين في لبنان بمنتهى الصعوبة، فلا تدع أمامهم خياراً سوى العودة”. لذلك، “مصطلح الطوعية هذا لا يُعتبر مكافئاً لما هو في أذهاننا عن القرار الحر المستنير بموجب قانون اللجوء”.  

من جهته، رفض الوزير حجار الانتقادات التي طالت الخطة، مصراً أن “العملية تسير وفقاً لرغبة اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم، وأن العملية طوعية”. واستدرك: “هناك عدد كبير من السوريين يحتاجون إلى قليل من التشجيع للعودة إلى سوريا”. 

“إننا نتحدث عن تحفيز العودة” بحسب الوزير حجار، وتتجسد الخطوة الأولى “بعملية العودة الطوعية، لكن هناك خطوة ثانية”، لكنه لم يفصح عنها، وحينما سُئل إذا كانت الخطوة الثانية تتمثل بـ”الترحيل القسري”، الذي يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، أجاب لـ”سوريا على طول”: “لو كانت العملية ترحيلاً لقلت أنها ترحيل. الخطوة الأولى عودة طوعية، وهناك خطوات أخرى ستتخذها الدولة اللبنانية، و سنعلن عنها لاحقاً”.

عملية مبهمة

بموجب العملية الحالية، يجمع الأمن العام اللبناني أسماء السوريين المسجلين للعودة، ويرسل معلوماتهم إلى السلطات السورية التي تتولى منح الموافقات الأمنية أو ترفض طلباتهم، لكن الخطورة تكمن في افتقاد هذه العملية إلى الشفافية، وفقاً لهاردمان، إذ “ليس هناك آلية تراقب ما يحدث لأولئك العائدين. العملية مبهمة ولا ترقى إلى مستوى الحماية التي تكفل العودة الطوعية الآمنة والكريمة”، بحسب قولها.

من جهتها، قالت باولا باراتشينا، المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين، الجهة المسؤولة عن حمايتهم، أنّ المفوضية “لا تيسّر أو تشجّع عمليات العودة الطوعية الجماعية للاجئين من لبنان إلى سوريا”. ومع ذلك ستواصل وكالة الأمم المتحدة “الانخراط في الحوار مع الحكومة اللبنانية” بشأن العودة التي يُيسرها الأمن العام، ودعت باراتشينا إلى “احترام الحق الإنساني الجوهري للاجئين المتمثل في العودة طواعية إلى بلدهم الأصلي في الوقت الذي يختارونه هم”.   

ومع ذلك، تتحمل المفوضية، كونها موجودة في سوريا أيضاً، مسؤولية “توفير المعلومات والحقائق عمّا ينتظر أولئك الأشخاص عقب عودتهم”، كما قال فضل فقيه، المدير التنفيذي للمركز اللبناني لحقوق الإنسان، مشدداً في حديثه لـ”سوريا على طول” على حقّ السوريين “في اتخاذ قرارات مستنيرة”.

إن عمليات العودة المرتقبة، التي يُنظمها الأمن العام، منفصلة عن الخطة التي روّجت لها وزارة المهجرين في الصيف الماضي، بترحيل 15,000 لاجئ سوري شهرياً، التي يبدو أنّها مهمشة حالياً، وهي “خطة الوزير شرف الدين”، بحسب الوزير حجار، مشيراً إلى أن الخطة الحالية غير تلك الخطة.

ونفى الوزير حجار أن يكون ترحيل السوريين بـ”القوة”، مشيراً إلى أن حكومته “لا تستخدم القوة”، غير أنه تم ترحيل 59 شخصاً في عام 2021، وفق مركز وصول لحقوق الإنسان، وهو منظمة لبنانية غير حكومية، 51 منهم سوريين حاولوا الهجرة إلى أوروبا عبر البحر، وتم ترحيلهم إلى سوريا حال عودتهم إلى لبنان.

علاوةً على ذلك، أصدر المجلس الأعلى للدفاع اللبناني في عام 2019 قراراً يخوِّل السلطات اللبنانية ترحيل السوريين الذين دخلوا البلاد بشكل غير قانوني بعد نيسان/ أبريل 2019، وبذلك أصبحت “عمليات الإعادة” مجرد إجراء إداري لا يتطلب أمراً قضائياً لتنفيذه، وأعيد بموجب هذا القرار 6,345 سورياً قسرياً منذ تاريخ صدوره حتى أيلول/ سبتمبر 2021.

“تشكل عمليات الترحيل انتهاكاً للمادة 3 في اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة 14 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكلاهما وثائق مُلزمة قانونياً للحكومة اللبنانية”، بحسب ما ذكر فقيه، مدير المركز اللبناني لحقوق الإنسان.

عودة عائلتان سوريتان

في عام 2013، غادر منار قريته الواقعة بريف دمشق، ومنذ ذلك الحين، يقيم اللاجئ السوري مع زوجته وأطفاله في إحدى خيام عرسال.

قبل شهرين، سجل أفراد عائلة منار أسماءهم في أحد مراكز الأمن العام اللبناني، ضمن الدفعة الأولى، التي تضم 1,600 عائلة، للعودة إلى منزلهم المتضرر جرّاء الحرب، كما قال منار لـ”سوريا على طول”، إذ عليهم “ترميم المنزل” قبل السكن فيه.

بعد تسع سنوات في لبنان، لم يعد بوسع عائلة منار العيش في ظل الأزمة الاقتصادية التي تجتاح البلاد، خاصة أن المبلغ الذي تمنحهم إياه الأمم المتحدة، وقيمته مليوني ليرة لبنانية (50 دولاراً بحسب سعر الصرف الموازي حالياً) لا يكفي لتأمين احتياجاتهم، بينما “قبل الأزمة كنا نتدبر أمرنا بمساعدة الأمم المتحدة وعملي المتقطع”، أما اليوم “أسعار كل شيء مرتفعة”. بلغ التضخم الغذائي في لبنان 332%، مع انهيار قيمة العملة الوطنية.

تدفع عائلة منار شهرياً نحو 30 دولاراً أجرة الخيمة التي تقيم فيها بعرسال، وكذلك فواتير الكهرباء والماء، ولا يمكنهم تحمّل شتاء آخر في عرسال في ظلّ عجزهم عن تأمين تكاليف التدفئة، بحسب منار، قائلاً: “لن يقرضنا أحداً لتأمين هذه المصاريف، لأن الجميع من حولنا مُثقلون بالديون أيضاً”.

تحتاج إحدى بناته إجراء عملية جراحية، بكلفة 250 دولاراً، لمعالجة مشكلة في كليتها والمسالك البولية، لكنه يقف عاجزاً عن تأمين المبلغ، ويرهقه التفكير بمستقبلها ومستقبل أطفاله الآخرين، الذين لم يذهب بعضهم إلى المدرسة منذ ثلاث سنوات، بسبب إغلاق المدارس في المنطقة ورفض بعض إدارات المدارس الأخرى، لذلك وصل إلى قناعة أنْ “لا مستقبل لنا في لبنان”، بحسب قوله.

الهاجس المشترك الذي يؤرق اللاجئين العائدين إلى سوريا، أو حتى السوريين الذين يسعون إلى الفرار خارج البلاد، هو التجنيد الإجباري، لكن هذا الهاجس لا يفكر به منار باعتباره الابن الوحيد لأمه، كما أن ابنه صاحب السبعة عشر عاماً سيُعفى من التجنيد للسبب ذاته.

جواد، لاجئٌ آخر في عرسال، سجلت عائلته بياناتها قبل شهر من أجل العودة إلى سوريا، ويأمل أن يحول مرضه -انزلاق غضروفي شوكي والتهاب عصبي- دون سوقه إلى الخدمة العسكرية. عدا ذلك لا يخشى العودة، إذ “ليس لي مشاكل شخصية مع الحكومة السورية”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

منذ تسع سنوات، يعيش جواد وزوجته وأطفاله الخمسة في مخيم عرسال، وكما عائلة منار، لديهم مكاناً في سوريا يعودون إليه، فمنزلهم “ما زال قائما هناك”.

كانت الحياة صعبة في لبنان، لكنها أصبحت الآن “لا تطاق”، بحسب جواد، موضحاً أن عائلته كانت تحصل قبل الأزمة الاقتصادية عام 2019 على مساعدة نقدية بقيمة 250 دولاراً من الأمم المتحدة، لكنها اليوم “لا تتعدى 60 دولار أو 40 دولاراً”، وجزء كبير منها يذهب “لدفع الفواتير الشهرية”، وهي 900 ألف ليرة لبنانية (22.50 دولاراً) للإيجار والكهرباء والماء. 

يتطلع جواد إلى إمكانية حصوله على العلاج بأسعار معقولة لدى وصوله إلى سوريا، فـ”المستشفيات هنا مكلفة جداً، أما في سوريا لن تكلفني العملية الجراحية والأشعة السينية أكثر من 100 دولار، في حين تبلغ تكلفتها بلبنان 1,600 دولار”، بحسب قوله.

ويشغل مستقبل أطفال جواد تفكيره، كما منار، إذ “يجب أن يكون أحدهم في الصف الثالث، لكنه لم يدخل المدرسة حتى الآن”، كما قال جواد.

ولكن هناك سببٌ آخر يدفع جواد إلى ترك لبنان وهو: الإحساس الدائم بالتمييز، مستشهداً بما حدث مع أبنائه قبل أيام “عندما ذهبوا إلى الحديقة وتعرضوا لشجار من أطفال لبنانيين”، وواصل حديثه: “أريد أن أذهب إلى بلدٍ لا يواجهون فيه مثل هذه المشاكل”، ناهيك عن “أننا لا نفعل شيئاً سوى الجلوس مكتوفي الأيدي في الخيمة”، بحسب قوله.

يعرف جواد عدداً من العائلات التي ترغب في العودة، ينحدرون من القلمون والقصير وحمص، لكن لو أتيحت لهم فرصة إعادة التوطين في بلد ثالث “كان أفضل لنا، لكن لا أمل بذلك”، قال جواد.

العودة الآمنة غير مضمونة

ربما يتوقع السوريون المسجلون في قوائم “العودة الطوعية” أنهم بمنأى عن مواجهة قضايا أمنية لدى عودتهم إلى بلادهم، لكن الأمر مختلف بالنسبة لآلاف السوريين، لا سيما العائلات التي يوجد من أفرادها مختفين قسرياً أو مشاركين في الأنشطة الثورية، فالعودة تعني الاعتقال المباشر.

وفي ذلك، حذّرت مفوضية شؤون اللاجئين ومنظمات دولية من خطورة العودة إلى سوريا، مستدلة على ذلك بالانتهاكات التي تعرض لها عائدون سابقون. في عام 2021، وثّق تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش حالات للاجئين تعرضوا للتعذيب والاختطاف والإعدام خارج نطاق القضاء بعد عودتهم إلى سوريا.

“ليس هناك مساءلة، ولا يبدو أنّه سيكون هناك مساءلة عن الجرائم المرتكبة في الماضي، أو حتى إصلاح للمؤسسات الأمنية لضمان عدم ارتكاب جرائم أخرى أو انتهاكات جسيمة في المستقبل”، وفق ما قالت هاردمان، الباحثة في هيومن رايتس ووتش. 

منذ عام 2014، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان “3,083 حالة اعتقال [تعرض لها اللاجئين العائدين]، من بينهم 244 طفلاً و207 امرأة”، كما قال فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لـ”سوريا على طول”، مشيراً إلى أن جميع الأفراد الذين تم توثيق اعتقالهم، “اعتقلوا من قبل قوات النظام السوري، وما زال 1,196 شخصاً قيد الاعتقال، منهم 864 تم إخفاؤهم قسرياً”. معظمهم من اللاجئين العائدين من تركيا والأردن ولبنان.

* تم استخدام أسماء مستعارة للسوريين الذين يخططون للعودة إلى سوريا، كما تم إزالة بعض التفاصيل التي قد تفضي إلى معرفة هويتهم، لأسباب أمنية.

تم نشر هذا التقرير أصلاً في اللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية سلام الأمين