مدة القراءة: 4 دقائق | دمشق, ملكية عقارية

الحيازة غير القانونية على الملكيات العقارية في سوريا: اعتداء مؤقت لا يفقد الحق؟


يونيو 30, 2021

عمان- خوفاً من تعرضه للاعتقال على يد الأجهزة الأمنية لنظام الأسد، على نحو ما فعلت مع والده في أواخر العام 2011، وصار في عداد المفقودين منذئذ، غادر الشاب يحيى مع عائلته بلدة “السيدة زينب” في جنوب دمشق ليقيم في الغوطة الشرقية.

في العام 2015، تمكنت أم يحيى وابنها الأصغر من الخروج من الغوطة الشرقية التي كانت تحت حصار القوات الحكومية لزيارة بلدتها وتفقد منزلها. لكنها “فوجئت بوجود عائلة إيرانية تقيم فيه”، كما قال يحيى لـ”سوريا على طول”. وبعد أخذ ورد “هددها أفراد العائلة باستخدام القوة في حال عودتها مرة أخرى”.

حتى العام 2018، ظن يحيى أن العائلة الإيرانية وضعت يدها على البيت بسبب نزوح سكانه. لكن بعد توكيل محامٍ لمتابعة القضية، تبين أن “المنزل قد بيع للعائلة عن طريق عمتي شقيقة والدي”، بحسب يحيى، مرجحاً أن تكون “عملية البيع قد تمت بعد تزوير سند ملكية المنزل”.

في حالة أخرى، وضع عنصر في مليشيا تابعة لنظام الأسد يده على منزل مريم، 43 عاماً، في بلدة كفربطنا بالغوطة الشرقية، عقب سيطرة القوات الحكومية عليها ربيع العام 2018. وكان رد زوجة العنصر عند مطالبة مريم بمنزلها لاحقاً: “إن كنت تخشين خسارته كان عليك عدم الخروج منه”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

ولم تتخذ مريم، التي غادرت منزلها لتسكن منزل شقيقها في العاصمة دمشق في آذار/مارس 2018، أي إجراء قانوني ضد المعتدي، كون “المنزل باسم زوجي الذي قتل تحت التعذيب في سجون النظام”، كما قالت، و”لم أحصل على إثبات وفاة يخولنا كورثة التصرف بالمنزل”.

وفي وقت بلغ عدد النازحين واللاجئين السوريين نحو 13 مليون شخص، يتخوف أصحاب “الملكية العقارية” من خسارة ملكياتهم، خاصة مع تكرار حالات الحيازة غير القانونية، كما أكدت مصادرة عدة لـ”سوريا على طول”. إذ “صار إشغال واستغلال عقارات المهجرين من دون موافقة المالكين الأصليين سمة في مناطق النظام”، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول” المحامي حسام السرحان.

ويتعدى إشغال العقار بشكل غير قانوني إلى “سرقة أشخاص لملكيات غيرهم من خلال تزوير عقد بيع أو سند ملكية، مستغلين غياب المالك الحقيقي أو وفاته”، أضاف السرحان.

“وضع اليد” خارج مناطق سيطرة النظام

تمتد انتهاكات الملكية العقارية، وإن على نطاق أضيق، إلى المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، على نحو ما حدث مع مهجّري مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي، عقب سيطرة الجيش الوطني السوري (المعارض) عليها في عملية “غصن الزيتون” العسكرية بدعم تركي.

إذ إن “كل من خرج من عفرين تم الاستيلاء على ملكياته العقارية من قبل مسلحي الفصائل، وبالتعاون مع أفراد كرد يسعون إلى كسب ود تلك الفصائل”، بحسب الصحافي نورهان حسن الذي نزح إلى الحسكة من عفرين، والذي استولى مسلحون من فيلق الشام على منزله “وباعوا جميع مقتنياته”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

مضيفاً أن “التهمة جاهزة لأي شخص تم الاعتداء على عقاره، وهي الانتساب للحزب [حزب الاتحاد الديمقراطي]”، وأن “عمليات الاستيلاء تتم بعلم الجيش التركي، ويبدو أنها بمباركته لأنها تدعم مصالحه في إحداث تغيير ديمغرافي في عفرين”. 

ورغم أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة “أنشأ لجنة رد الحقوق، لكنها خاضعة لسيطرة الفصائل، لذلك لا تعيد العقارات إلى أصحابها، أو حتى إذا حاولت التدخل قد تتعرض للتهديد”، وفق حسن.

ومع تأكيده “وجود حالات إشغال غير قانونية للعقارات في عفرين”، أوضح محامٍ في المنطقة، طلب عدم الكشف عن اسمه لدواع أمنية، أن “عدداً من سكان عفرين الذين عادوا إلى منازلهم ووجدوا عائلات أخرى تقطن فيها، لجؤوا إلى القضاء، وقد أصدر الأخير قرارات برد الحيازة إلى أصحابها وتم تنفيذها”.

لكن هذا لا يعني أن القضاء في عفرين ردّ حقوق المعتدى عليهم، ففي حال “كان المنزل تحت سطوة فصيل عسكري يتخوف المالك من الاعتداء عليه”. هذا إلى جانب أن “الفصائل ما تزال تضع يدها على أراض زراعية ومحال تجارية وتقوم باستثمارها وتأجيرها”، بحسب المحامي.

هل يمكن رد الحقوق؟

مع حالة الفوضى التي تشهدها سوريا في مناطق السيطرة الثلاث: نظام الأسد، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق سوريا، وهيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة في شمال غرب البلاد، يبدو منطقياً تخوف المدنيين من الاعتداء على ملكياتهم العقارية، خاصة مع ضلوع سلطات الأمر الواقع في انتهاك حقوق الملكية أو تسهيلها.

مع ذلك يظل من غير السهل فقدان المالك لحقه في العقار. إذ في حال حاز صاحب العقار على “سند قانون تمليك (طابو)، فلا يمكن تغيير الوضع القانوني له مهما امتدت أيام وضع اليد على العقار”، كما قال المحامي عبد الناصر حوشان لـ”سوريا على طول”.

وحتى إذا كان صاحب العقار قد حازه “بموجب سند حيازة، والذي يشترط أن يكون العقار في حيازته لأكثر من 15 سنة دون وجود تنازع قانوني عليها، ولم يدّع عليه أحد بأنه اغتصبها أو نازع عليها”، كما أوضح حوشان، فإنه “لا يمكن فقدان الملكية، ولا أحد يمكنه أن ينازعه على ملكيتها”.

وبحسب حوشان، يساور أصحاب الملكيات العقارية في المناطق العشوائية (غير المنظمة) قلق بخصوص ملكياتهم، خاصة مع عدم حيازتهم سندات تمليك (طابو). مع ذلك، فإنه إذا كانت “عدادات المياه والكهرباء مسجلة باسمهم فهي كافية لمنع أي حيازة ثانية”. مشدداً على أنه لا يمكن لأي شخص “حتى لو شغل العقار غصباً أن يكسب حق التملك، فحقوق الناس مصانة بموجب القانون”.

وفي سبيل استعادة أصحاب العقارات لحقوقهم، يمكنهم “رفع دعوى استرداد حيازة، سواء كان العقار المغتصب مستنداً لسند تمليك أو للتملك بالحيازة”، بحسب حوشان. موضحاً أنه “إذا كانت الملكية موثقة بسند حيازة يمكن رفع دعوى استرداد حيازة في المحاكم المدنية”. أما إذا كانت الملكية موثقة بسند تمليك (طابو) فإنه “يمكن رفع دعوى مدنية، أو دعوى طرد غاصب في المحاكم الجزائية”.

ورغم صعوبة رد الحقوق إلى أصحاب العقارات في ظل وجود سلطات الأمر الواقع، فإن ذلك لا يعني فقدان حقوق مالكي العقارات، بحسب المحامي السرحان. موضحاً أنه “حال وجود قضاء سوري مستقل يمكن لكل معتدى على ملكيته طرد واضع اليد، والمطالبة بالعقار أو المطالبة بالتعويض المالي نتيجة استغلال العقار خلال فترة وضع اليد”.

وحتى إذا زوّر المعتدي سندات الملكية، وباع عقاراً ليس له، فإن القانون السوري يأخذ بمبدأ وضع القوة القاهرة وحالة الضرورة، كما أوضح المحامي حوشان. مشيراً إلى أنه في حالة الحروب لا يعترف القانون بـ”عقود التصرف بحسن النية”، أي إنه “حتى وإن اغتصب شخص العقار وباعه لشخص آخر لا يعلم أن السند مزور، فإن القانون يرد الحق لأصحابه ولا يأخذ بحسن النية”.

آخر التقارير…