7 دقائق قراءة

أزمة المحروقات وضعف الدعم يهددان سلة غذاء سوريا شمال شرقي البلاد

تعد منطقة الجزيرة السورية سلة غذاء سوريا، لما تحويه من محاصيل استراتيجية كالقمح، الشعير، والقطن، وتشكل هذه المحاصيل مصدر دخل أساسي لمزارعي المنطقة، لكن زراعتها لم تعد مجدية بسبب ضعف دعم المحروقات وارتفاع تكاليف الزراعة


بقلم سلام علي

1 فبراير 2024

الحسكة- في قرية الصلالية، على بعد ثمانية كيلومترات إلى الشرق من مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا، ترك عبد علاوي المحمد، 58 عاماً، أكثر من نصف مساحة أرضه من دون زراعة، واكتفى بزراعة 70 دونماً من أصل 146 دونماً بالقمح المروي وفق الخطة الزراعية المحددة من الإدارة الذاتية.

“جميع من في القرية لم يزرعوا كامل مساحة أراضيهم بسبب المحروقات”، قال المحمد لـ”سوريا على طول” وتبدو على وجهه علامات الامتعاض، مشيراً إلى أن “أسعار المحروقات في السوق السوداء بالنار [مرتفعة]، ولم توزع الإدارة الذاتية لتراً واحداً من المازوت المدعوم حتى الآن”.

بدأ مزارعو الحسكة زراعة أراضيهم بالقمح المروي في شهرين تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2023، كما قال المحمد، الذي زرع أرضه في تشرين الثاني/ نوفمبر، مشيراً إلى أن “الأرض تحتاج للري بعد عشرة أيام من رش البذار، لذا يحتاج المزارعون لمادة المازوت خلال هذين الشهرين، لكنهم لم يحصلوا عليه”.

تعد منطقة الجزيرة السورية، التي تضم أراض من الحسكة والرقة ودير الزور، سلة غذاء سوريا، لما تحويه من محاصيل استراتيجية كالقمح، الشعير، والقطن. تشكل هذه المحاصيل مصدر دخل أساسي لمزارعي المنطقة، لكن زراعتها “لم يعد مربحاً”، كما قال العديد من المزارعين الذين تحدثوا لـ”سوريا على طول”، ويعود ذلك إلى ارتفاع تكاليف الزراعة سنوياً، وضعف دعم الإدارة الذاتية التي تدير المنطقة لا سيما فيما يتعلق بدعم المحروقات، ناهيك عن الجفاف الذي أدى إلى تكبد المزارعين لخسائر فادحة خلال أعوام 2020 و2021 و2022.

“أسعار المحروقات في السوق السوداء بالنار [مرتفعة]، ولم توزع الإدارة الذاتية لتراً واحداً من المازوت المدعوم حتى الآن”

ما سبق، دفع العديد من المزارعين في “الجزيرة السورية” إلى تقليص المساحات المروية والتوجه نحو الزراعة البعلية (المعتمدة على الأمطار)، للقمح والشعير أو المحاصيل العطرية كالكمون والكزبرة والسمسم، كون تكلفة زراعتها أقل من المروية.

أرض زراعية في ريف محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا،  تركها أصحابها من دون زراعة، 10/ 01/ 2024، (سلام علي/ سوريا على طول)

أرض زراعية في ريف محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا،  تركها أصحابها من دون زراعة، 10/ 01/ 2024، (سلام علي/ سوريا على طول)

ورغم أن إنتاج القمح في موسم 2023 بمناطق الإدارة الذاتية كان جيداً نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة تحسن الهطولات المطرية، إلا أن علاء محمد العلاوي، 30 عاماً، لم يغامر بزراعة أرضه البالغة مساحتها 120 دونماً هذا العام، معللاً ذلك بأنْ “لا أحد يضمن هطول أمطار كافية، ودعم الإدارة لن يكفي لتحقيق إنتاج جيد”.

وأشار المزارع الثلاثيني، وهو من سكان قرية الصلالية، إلى أنه قام بتضمين أرضه لمزارع آخر في العام الماضي، ولكن بما أن “الأرباح كانت قليلة، ونظراً لارتفاع تكاليف الزراعة هذا العام” عزف عن زراعتها أو تضمينها، كما أوضح لـ”سوريا على طول”.

رصدت “سوريا على طول” وجود مساحات واسعة من الأراضي غير المزروعة في ريف الحسكة الشرقي، لم يتكبد أصحابها عناء زراعتها حتى بـ”المحاصيل البعلية”، بينما تحولت أراض واسعة في محافظة الرقة إلى الزراعة “البعلية”، مثل العدس والكمون، عوضاً عن “المروية”، بحسب مزارعين من المنطقة.

تبلغ تكاليف زراعة الدونم الواحد من محصول الكمون حوالي 31 دولار أميركي، وهي 21 دولاراً  ثمن ثلاثة كيلو غرام من البذور، و10 دولارات تكاليف حراثة الأرض، بينما تبلغ تكاليف زراعة الدونم الواحد من القمح مليون ليرة سورية تقريباً (68.5 دولاراً بحسب سعر الصرف في السوق السوداء، البالغ 14,575 ليرة للدولار).

خطة الإدارة الذاتية

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أقرت هيئة الزراعة والري الخطة الزراعية لعام 2024، المتضمنة كميات البذار المخصصة لكل دونم والنسب المئوية للمحاصيل الزراعية، وعلى ذلك حددت الهيئة 60 بالمئة من المساحة الإجمالية للقمح المروي، و5 بالمئة للشعير، و15 بالمئة للبقوليات، و2 بالمئة للخضار الشتوية.

لا تفرض الإدارة الذاتية خطتها على المزارعين في مناطق نفوذها، شمال شرق سوريا، ولكنها تضع الخطة سنوياً، وعلى أساسها تقدم الدعم اللازم،  أي إذا كانت مساحة الأرض 100 دونم، فإنها بحسب الخطة يجب أن لا تتجاوز مساحة القمح المروي 60 دونماً، وفي حال عدم التزام المزارع بالخطة لن يحصل على الدعم، الذي يشمل المازوت والأسمدة والبذار إلا عن النسبة المتضمنة في الخطة.

ومع ذلك، لا تلتزم الإدارة الذاتية بتقديم الدعم اللازم لتنفيذ خطتها وإنجاحها، كما اشتكى عدد من المزارعين الذين تحدثوا لـ”سوريا على طول”. رغم انتصاف الموسم الشتوي لم تحدد الإدارة الذاتية الكميات المخصصة من المحروقات المدعومة وسعرها.

“إذا كانت الإدارة الذاتية تعاني نقصاً في المحروقات فمن أين تأتي تلك الكميات التي تباع في السوق السوداء؟!”

ويبلغ سعر لتر المازوت (الديزل) في السوق السوداء، 4500 ليرة (0.31 دولاراً) في الحسكة، ويصل في الرقة إلى أكثر من 5400 ليرة (0.37 دولاراً).

في الموسم الماضي، خصصت الإدارة الذاتية من 10 إلى 15 لتر مازوت لكل دونم، في الدفعة الواحدة، على أن يتم توزيع ثماني دفعات في كامل الموسم، بسعر 410 ليرات للتر الواحد (0.08 دولار بحسب سعر الصرف آنذاك، البالغ 4735 ليرة للدولار)، لكن غالبية المزارعين في الحسكة استلموا ثلاث إلى خمس دفعات فقط، أما في الرقة العديد من المزارعين لم يستلموا أي دفعة، كما قال مزارعون لـ”سوريا على طول”. في ذاك الموسم، كان سعر لتر المازوت في السوق السوداء 1500 ليرة (0.31 دولار).

عزت الإدارة الذاتية تأخرها في توزيع المازوت، في الموسم الماضي، إلى “الضغوط الكبيرة” بسبب كثرة الطلب على المحروقات من قبل المزارعين، نظراً لشح الأمطار وزيادة المساحات المزروعة. هذا التبرير لا يلقى صدى إيجابياً في أوساط المزارعين. تساءل عبد علاوي المحمد: “إذا كانت الإدارة الذاتية تعاني نقصاً في المحروقات فمن أين تأتي تلك الكميات التي تباع في السوق السوداء؟!”، قال عبد علاوي المحمد 

وقدر مزارعون تحدثوا لـ”سوريا على طول” حاجة الدونم الواحد من 20 إلى 25 لتراً للري في كل مرة، وحتى تعطي الأرض إنتاجاً جيداً يجب أن يُسقى المحصول من ست إلى ثماني ريّات في الموسم.

المازوت “الحر” يأكل الأرباح

بعد تنظيف يديه من بقع المحروقات والزيوت، بدأ محمد أحمد سرد معاناته مع الزراعة لـ”سوريا على طول”، وكيف أثر “دعم المحروقات غير المستقر” على المزارعين، وبالتالي انعكاسه على المنطقة المعروفة تاريخياً بأنها “سلة الغذاء” السورية.

يمتلك أحمد وإخوته 450 دونماً في قرية الصلالية بريف الحسكة، زرع منها هذا الموسم 80 دونماً بالقمح المروي، وقام بسقايته مرتين حتى الآن، معتمداً على المازوت الذي اشتراه بشكل حر، إضافة إلى استخدام مخصصات عائلته من محروقات التدفئة.

في الموسم الماضي، زرع أحمد وإخوته 250 دونماً بالقمح، واستلم من الإدارة الذاتية ثلاث من أصل ثماني دفعات، لكل دونم 12 لتر في كل دفعة، لكنه لم يستفد منها استفادة مثلى في ذاك الموسم، لأنه استلمها في فصل الربيع بينما كان بحاجتها في أشهر الشتاء.

أمام هذا الحال، يعتمد أحمد وغيره من المزارعين على المازوت “الحر” من السوق السوداء، ويقللون عدد الريّات لتخفيف التكاليف، ولجأ العديد منهم إلى استخدام مخصصاتهم من محروقات التدفئة لريّ أراضيهم كما فعل هو.

يستخدم المزارعون مضخات لاستجرار المياه من الآبار، يتم تشغيلها عبر مولدات تعتمد على المازوت، ما يعني أن المحروقات هي الأساس، ومن دونها يتأثر الإنتاج، وبشرائها من السوق السوداء تصبح الزراعة غير مجدية  اقتصادياً.

تعليقاً على ذلك، قال عبد علاوي المحمد أنه اشترى 30 برميل مازوت (سعة البرميل 220 لتراً) من السوق السوداء، بسعر 800 ألف ليرة للبرميل (55 دولاراً)، استهلك منها عشرة براميل لحراثة الأرض وسقايتها لمرة واحدة “ولو لم تكن كمية الأمطار الأخيرة جيدة لكنت بحاجة إلى استهلاك كميات أكبر من أجل سقاية الأرض”، وفقاً له.

من جهته، اشترى عبد الكريم عزو، 35 عاماً، وهو مزارع من قرية الصخر بريف الحسكة الشرقي، 16 برميلاً من المازوت، بسعر 12 مليون ليرة (823 دولاراً)  لسقاية أرضه هذا الموسم، لأنه لا يستطيع ربط مصير رزقه بالمحروقات المخصصة من الإدارة الذاتية، مشيراً إلى أنه استلم في الموسم الماضي ثلاث من أصل ثماني دفعات، وعوض النقص من السوق السوداء، كما أوضح لـ”سوريا على طول”.

وإضافة إلى شراء المحروقات من السوق السوداء، خفض عزو مساحة أرضه المزروعة، مكتفياً بزراعة 50 دونم من أصل 120 دونم، فيما زرع العام الماضي 100 دونم منها، عل حد قوله.

حاولت “سوريا على طول”، عدة مرات، الحصول على رد رسمي من ليلى صاروخان، الرئيسة المشتركة لهيئة الزراعة بشمال شرق سوريا التابعة للإدارة الذاتية، ومن مسؤولة الإعلام في هيئة الزراعة والاقتصاد لكنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير. 

“العديد من المزارعين فضلوا تأجير أراضيهم عوضاً عن زراعتها بسبب عجزهم عن تأمين التكاليف”.

الزراعة البعلية

خلال العامين الماضيين، لم يستلم أحمد محمد الحسن، 32 عاماً، من سكان مزرعة تشرين، الواقعة على بعد 30 كيلو متراً شمال مدينة الرقة، مخصصاته من المازوت، ما اضطره إلى شراء احتياجاته من السوق السوداء، ما أدى إلى “التقليل من أرباحي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وفي بداية الموسم الحالي، اشترى الحسن 40 برميلاً من السوق السوداء بسعر 1.2 مليون ليرة (82 دولاراً) للبرميل الواحد، استهلك منها 17 برميلاً في ري أرضه مرة واحدة، “وفي حال لم تهطل الأمطار في غضون أيام سأضطر لريّها مرة أخرى”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

يملك الحسن وإخوته ألف دونم، كلها أراضٍ مروية، يزرعون قسماً منها بالمحاصيل الشتوية وقسماً بالمحاصيل الصيفية، لكن نظراً لـ”التكاليف الباهظة التي نتكبّدها في شراء المحروقات قلصنا مساحات المحاصيل هذا العام”.

في الموسم الماضي، زرع الحسن وإخوته 350 دونم بالقطن، ليقلصوها إلى 100 دونم هذا الموسم، كما قلصوا مساحة الأرض المزروعة بالقمح من 500 دونم إلى 450 دونم، والشعير من 150 إلى 80 دونم، وفقاً للحسن.

بتذمر قال الحسن: “الزراعة تحتاج دعماً من الإدارة الذاتية، وبسبب أزمة المحروقات صارت نصف أراضي المنطقة بعلية، رغم أنها أراضٍ مروية وفيها آبار وأقنية”، مشيراً إلى أن العديد من المزارعين “فضلوا تأجير أراضيهم عوضاً عن زراعتها بسبب عجزهم عن تأمين التكاليف”.

ومع أن الزراعة البعلية أقل تكلفة على المزارعين إلا أن نتائجها غير مضمونة، خاصة في ظل التغير المناخي التي تشهده المنطقة وتراجع الأمطار وجفاف الأنهار، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في سوريا “بنحو خمسين في المئة خلال السنوات العشر الأخيرة”، كما قالت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر سهير زقّوت لوكالة “فرانس برس” في وقت سابق.

بينما تحدق عينا عبد علاوي المحمد بأرضه، عبر أن أمله بأن تكون الهطولات المطرية لهذا الموسم جيد، لأنها قد تحقق له “إنتاجاً جيداً يعوض لي التكاليف التي دفعتها لشراء المحروقات والأسمدة والبذار والحراثة، وعملية الحصاد ونقل المحصول إلى مراكز الاستلام”.

شارك هذا المقال