8 دقائق قراءة

بعد المصالحات “الكاذبة” السوريون يدفعون آلاف الدولارات  للفرار إلى مناطق المعارضة شمالاً

يدفع سكان المناطق - التي كانت سابقاً تحت سيطرة المعارضة في سوريا - آلاف الدولارات للمهربين لنقلهم إلى آخر معاقل المعارضة في البلاد، حيث تسود حالة من الفوضى وانعدام الأمن في مناطق "المصالحة" التي فرضت الحكومة السورية سيطرتها عليها العام الماضي.


يدفع سكان المناطق – التي كانت سابقاً تحت سيطرة المعارضة في سوريا – آلاف الدولارات للمهربين لنقلهم إلى آخر معاقل المعارضة في البلاد، حيث تسود حالة من الفوضى وانعدام الأمن في مناطق “المصالحة” التي فرضت الحكومة السورية سيطرتها عليها العام الماضي.

وقال السوريون – بما فيهم الناشطين والمدنيين – الذين تم تهريبهم إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظتي إدلب وحماة في الأشهر الأخيرة، لسوريا على طول، أن شبكات التهريب التي كانت تستخدم في السابق كطرق لتهريب المقاتلين والمدنيين الفارين من الحصار، باتت تلبي احتياجات السوريين الذين يعيشون حالة من الفوضى عقب المصالحة وعودة مناطقهم لسيطرة الحكومة.

وفي الكثير من الحالات، قال الناشطون والمحللون، إن المسؤولين الفاسدين في مختلف أجهزة الأمن السورية يساعدون في تسهيل الرحلات غير النظامية في جميع أنحاء البلاد.

والمصالحة، التي تعرف باسم “التسوية”، هي عملية تهدف إلى إعادة دمج المجتمعات التي كانت تسيطر عليها المعارضة، في السابق، تحت سيطرة الحكومة السورية.

ومع ذلك، شهدت تلك المجتمعات اعتقالات و عنف متبادل بين أفرع الأمن والمعارضين السابقين الذين وقعوا على تسوية مع الحكومة.

ويدفع السكان، من القرى التي يسكنها أبناء الطبقة العاملة، والتي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة سابقاً، قرب مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، آلاف الدولارات للتوجه شمالاً، وكانت القوات الموالية للحكومة تحاصر المنطقة منذ عام ٢٠١٣.

وشنت الحكومة السورية وحلفاؤها هجوم “ساعة الصفر” ضد مقاتلي تنظيم الدولة في اليرموك ومنطقة الحجر الأسود المجاورة، في نيسان العام الماضي، وفرضت عملية إجلاء قسري ومصالحة على ثلاثة قرى متجاورة وخاضعة لسيطرة المعارضة- يلدا وببيلا وبيت سحم – في نفس الوقت تقريباً.

واستقل تسعة آلاف شخص على الأقل حافلات الإجلاء التابعة للحكومة السورية متجهين إلى الشمال الغربي. في حين بقي عشرات الآلاف ممن اختاروا المصالحة مع السلطات.

وكالعديد من مناطق العاصمة التي كانت ذات يوم تحت سيطرة المعارضة، بقي جنوب دمشق هادئاً منذ عودته لسيطرة الحكومة.

ومع محاولة السلطات السورية فرض نفسها على المجتمع المحلي مرة أخرى، يواجه الشباب مشكلة التجنيد الإجباري. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، وردت أنباء تفيد بأن الأمن احتجز العديد من عمال الإغاثة الفلسطينيين من جنوب دمشق.

ولا تزال أعداد الأشخاص الذين يخرجون بشكل غير نظامي من جنوب دمشق غير معروفة، لكن التحركات جذبت انتباه وسائل الإعلام المحلية والناشطين الذين نزحوا إلى شمال غرب سوريا، العام الماضي.

وقال حمادة حميد، وهو ناشط فلسطيني من مخيم اليرموك، نزح شمالاً في حافلات الإجلاء العام الماضي، لسوريا على طول “لا يزال الناس يغادرون المنطقة، حتى الآن… معظمهم يدفعون ١٨٠٠-٢٢٠٠ دولار تقريباً للوصول من جنوب دمشق إلى الشمال… لأن هناك مشاكل أمنية من جانب النظام”.

واختار أحمد، من جنوب دمشق، طريق التهريب بدلاً من العيش تحت التهديد بالاعتقال، حيث شعر أن نشاطه السياسي السابق قد يعرضه للخطر.

وقال “كنت مطلوباً من قبل أفرع الأمن، والبقاء هو شكل من أشكال الانتحار”.

وتوجه أحمد شمالاً في وقت سابق من هذا العام، حيث دفع المال للمهربين لمساعدته في الخروج عبر الأراضي الزراعية جنوب العاصمة.

وكذلك فعل أبو محمد، وهو سوري من أحد أحياء الطبقة العاملة جنوب دمشق، حيث قال أنه دفع أكثر من ١٦٠٠ دولار للتوجه إلى إدلب.

استغرق تنظيم الرحلة عدة أيام، وقال أبو محمد “تفاوضنا عبر الهاتف لعدة أيام إلى أن اتفقنا على المبلغ النهائي، البالغ حوالي ١٦٥٠ دولار”، وأضاف “لم يسأل المهرب سوى عن عمري، ووعد بأن تنقلني سيارة من دمشق مباشرة إلى إدلب”.

ووفقاً لأبي محمد، كانت الرحلة أكثر تعقيداً من ذلك.

حيث أمضت مجموعته، التي يبلغ عددها حوالي ١٢ شخصاً، أياماً كان يتم نقلهم فيها من مكان إلى آخر، ومن منزل إلى منزل – في الليل- أثناء توجههم نحو خطوط المواجهة التي تفصل بين الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة والمعارضة في محافظة حماة، وتضمن آخر جزء من الرحلة المشي في الظلام الحالك نحو الخطوط الأمامية.

وقال “كان الخوف على وجوهنا واضحاً لكل من نقلنا”.

صديق في فرع فلسطين

وجدت سوريا على طول في شباط من العام الماضي، أن سكان جنوب دمشق ومقاتليه – بمن فيهم عناصر التنظيم – قد دفعوا للمهربين مبالغ كبيرة من المال لنقلهم من المنطقة المحاصرة باتجاه تركيا.

وبالنسبة للمواطنين القادرين على تحمل التكاليف، كان الطريق غير النظامي فرصة للهروب من سنوات الحصار وسيطرة التنظيم جنوب دمشق، أما بالنسبة لمقاتلي التنظيم، قدم لهم طريق التهريب فرصة للخروج كمدنيين ودخول مناطق المعارضة أو حتى متابعة طريقهم إلى تركيا.

وقال محمد عبد الرحيم، أحد سكان مخيم اليرموك، في حديث إلى سوريا على طول، العام الماضي، بعد دفع ٥٣٠٠ $ للمهربين للوصول إلى تركيا نهاية المطاف، “خرجت لأنه لا أمل في عودة الحياة إلى المخيم”.

ومع ذلك، استمر التهريب عبر الحدود بين مناطق السيطرة المختلفة لعدة سنوات في جنوب دمشق، وفي بعض الأحيان كان يحدث تحت إشراف أو حتى انخراط السلطات من داخل شبكة المخابرات السورية.

يقال إن فرع فلسطين، وهو فرع من المخابرات العسكرية، ويعرف رسمياً بالفرع ٢٣٥، أخفى وعذب الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين السوريين حتى الموت منذ بداية النزاع.

كما أنه يدير حاجز سيدي مقداد في ببيلا، وهو المعبر الوحيد الذي كان يربط دمشق الخاضعة لسيطرة الحكومة مع يلدا وببيلا وبيت سحم قبل عمليات الإجلاء العام الماضي.

ووفقاً لناشطين مطلعين، فقد تم دفع آلاف الدولارات كرشاوى لكبار ضباط فرع فلسطين للمساعدة في تسهيل خروج حوالي ٢٠ ناشط فلسطيني من جنوب دمشق إلى شمال غرب سوريا، عن طريق حاجز سيدي مقداد في نيسان ٢٠١٥.

وكان لأحد الضباط، الذي قتل في وقت لاحق من النزاع، سمعة بتجارة الحصار، حيث قيل إنه استفاد من الحصار شبه الكامل للمنطقة الممتدة على حوالي ٢٠ كم، والتي فرضتها القوات الموالية للحكومة حول اليرموك والقرى المجاورة التي تسيطر عليها المعارضة.

بالنسبة للمناطق المحاصرة، كانت طرق التهريب شريان الحياة هناك.

ولكن بالنسبة للنشطاء، تلك الطرق تعني التعامل مع السلطات التي ترغب بقتلهم، ودفع آلاف الدولارات من أجل العبور إلى دمشق التي تسيطر عليها الحكومة، ومنها إلى الشمال. ومع ذلك كان الحل البديل أسوأ.

ومع اقتحام مقاتلي تنظيم الدولة الحجر الأسود ومخيم اليرموك في نيسان من عام 2015، قامت الجماعة الإسلامية المتشددة بحملة اغتيالات استهدفت شبكات المجتمع المدني داخل المخيم.

ومن بينهم فراس الناجي، الذي يعمل في مجال الإغاثة، والذي كان يحلق أمام المرآة الحمام عندما اقتحم رجال ملثمون منزله وأطلقوا النار على رأسه.

وفي الشهر نفسه، نجا المدافع عن حقوق الإنسان، عبد الله الخطيب، بأعجوبة من مصير مماثل عندما اقتحم مقاتلي تنظيم الدولة منزله.

في الأسابيع والأشهر اللاحقة، تواصل الناشطون مع ممثلين من منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، وفرع فلسطين وشخصيات تتبع للحكومة في المجتمع الفلسطيني لتسهيل عملية خروجهم إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال الغربي.

وفي إحدى ليالي شهر تشرين الأول من عام 2015، عبرت مجموعة مؤلفة من 20 شخصاً إلى دمشق عبر منطقة سيدي مقداد التي تسيطر عليها الحكومة، وقضوا الليل بأكمله في منازل آمنة، قبل نقلهم إلى نقطة تفتيش على بعد مئات الكيلومترات شمالاً، والتي تمثل بداية مناطق سيطرة المعارضة في الشمال الغربي.

ويزعم أن ضباط فرع فلسطين قاموا بتنفيذ ما هو مطلوب منهم في هذه الصفقة، وأن جميع الناشطين في المجموعة قد وصلوا بأمان إلى الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال – باستثناء شخص واحد-.

وبعد ثلاث سنوات من اختفاء المصور والناشط نيراز سعيد، تم الإعلان عن وفاته، حيث تعرض للتعذيب حتى الموت.

وعلى الرغم من أن الطريق الذي استخدمه النشطاء في عام 2015  كان قد استخدم لمرة واحدة، إلا أن المهربين كانوا يوفرون مخرجًا للسكان المحاصرين منذ بداية الحصار في 2013.

وذكر أحد النشطاء، الذين كانوا في جنوب دمشق إلى أن حين عمليات الإجلاء الرسمية في العام الماضي إلى الشمال، أن التهريب كان “يحدث طوال الوقت. الطريق معروف جداً”، حيث أطلق عليه “طريق الباصات”.

وأضاف “الكثير من الناس غادروا بهذه الطريقة”. التهريب جزء من اقتصاد الحرب في السورية “ومستمر للأبد”.

وفقًا لنشطاء ومحللين في شمال غرب سوريا، أن هناك شبكات مماثلة غير رسمية استمرت بالعمل في جميع أنحاء البلاد بعد سيطرة الحكومة على مناطق المعارضة، وغالباً ما تضمنت هذه الشبكات ضباط أمن، ومجموعات مسلحة، ومهربين، ووسطاء تابعين للحكومة.

وقال الناشط الفلسطيني حميد “أنها شبكة كالتي كان يديرها النظام عندما كنا محاصرين[في جنوب دمشق]”.

ووصف حميد علاقة التواصل بين المهربين “بجهات اتصال الدولة، من الجيش”.

وتعود العديد من هذه الشبكات إلى سنوات الحصار، بعد أن حاصرت الحكومة السورية وحلفاؤها جيوب البلاد التي قبع داخلها الملايين من فصائل المعارضة والمدنيين.

بالنسبة للبعض كان الحصار مربحاً، حيث تشكلت من حولهم  شبكات لتسهيل حركة الناس والبضائع، والتي أنتجت بدورها جيلاً جديداً من الشخصيات التجارية التابعة للحكومة، استطاعت بدورها زيادة ثروتها وقوتها بطريقة لاتصدق. والآن بعضهم على مقربة من أن يصبحوا شخصيات بارزة في عملية إعادة الإعمار التي تلوح في الأفق.   

وذكر آرون لوند، محلل سوري في مؤسسة “Century Foundation”، أن شبكات التهريب تعكس اقتصاد السوق السوداء القديم في سوريا والذي توسع مع الصراع في أعقاب 2011.

وقال لوند لسوريا على طول “إنه يختلف كثيراً من مسار إلى آخر ولكن…. التهريب كان سمة من سمات الاقتصاد السوري منذ القدم، حتى قبل الحرب”، واصفاً كيف أدى الصراع إلى “تسريع” عمل شبكات التهريب غير الرسمية، التي غالبًا ما يشارك فيها مسؤولون في جهاز الأمن السوري.

وأضاف “هؤلاء المسؤولون لديهم قوة كبيرة ويمكنهم اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت حرفياً، لكنهم لا يتقاضون أجوراً جيدة”.

وتابع “لذلك كانوا يقومون بأخذ رشاوي، وكانوا يستغلون الناس قبل الحرب، ولكن استغلالهم زاد بشكل خاص خلال الحرب، وخلال تسارع الأزمة الاقتصادية وتسارع نفوذهم أيضًا”.

كما أن عدم الاستقرار المستمر، في المناطق التي استعادتها الحكومة السورية العام الماضي، دفع أيضاً إلى الحاجة إلى التهريب بين المجتمعات المحلية في جميع أنحاء البلاد.

وشهدت درعا، في جنوب غرب سوريا، عدم استقرار واسع النطاق منذ استسلام الفصائل المعارضة الصيف الماضي.

وبينما استقل الآلاف حافلات الإجلاء باتجاه محافظة إدلب بعد انتهاء الهجوم العسكري في تموز، علقت بنود المصالحة منذ ذلك الحين، وبقيت الوعود بسيادة الأمن، بالنسبة للكثيرين، وهمية.

ولم يتم الوفاء بالضمانات التي قدمت في التسويات التي توسطت فيها روسيا، فانتشر الاستياء والسخط. حيث أدت موجة الاغتيالات والاختفاء القسري التي استهدفت قادة معارضة سابقين وشخصيات مرتبطة بالمعارضة، فضلا عن أفراد مرتبطين بالحكومة، إلى الإيحاء بأن الجنوب الغربي معرّض لخطر عدم الاستقرار لفترة طويلة قادمة.

وبدلاً من التعايش مع التهديد بالاعتقال أو التجنيد الإجباري، اتفق الناشط الإعلامي أبو عمار، وهو من ريف درعا في الأصل، مع مهربين لمساعدته في الوصول إلى الشمال أواخر العام الماضي.

وقال أبو عمار لسوريا على طول “بعد مرور حوالي شهرين على خروج آخر قافلة إجلاء، تمكنت من الخروج بمساعدة مهربين كانوا على صلة مع الضباط والشبيحة”، وتابع ” لقد وجدوا طريقاً إلى الشمال خالياَ من نقاط التفتيش العسكرية والأمنية”.

وكلفته الرحلة كاملة، من جنوب سوريا إلى تركيا، حوالي 2500 دولار.

وقال أبو عمار إنه شعر بالخداع والكذب بالنسبة للمصالحة.

وأضاف ” لقد كان أحد أهم البنود في اتفاق المصالحة ينص على أن الجيش لن يدخل المنطقة”، مشيراً إلى “وعود كاذبة بالأمان” لم يتم الوفاء بها.

وقال “بدأ النظام يستهدف الأشخاص المقربين أو على صلة بالثورة من خلال الاختطاف والاغتيالات، مع الاحتفاظ بقوائم الأسماء”.

وبينما تعرقل حقيقة المصالحات العشوائية الحياة في المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً، يتوقع المحلل لوند استمرار التهريب هناك.

كما قال “لا أعتقد بالضرورة أن يصل هذا إلى مكتب بشار حتى يصبح مشكلة – هذا ممكن إن بدأت فصائل المعارضة بتشكيل نفسها من جديد أو عند حدوث اضطرابات خطيرة”.

وأضاف “من الممكن اتخاذ تدابير صارمة للحد من التهريب، لكنه لن يختفي تماماً. لقد أصبح أمراً أساسياً في آلية عمل الاقتصاد السوري”.

 

* تم حجب جميع أسماء السوريين الذين تم تهريبهم إلى الشمال الغربي حفاظاً على سلامتهم.

شارك هذا المقال