مدة القراءة: 4 دقائق | إدلب, ثقافة ومجتمع

“إضراب الكرامة” في إدلب لأجل تحقيق مطالب المعلمين وصون العملية التعليمية


فبراير 15, 2022

باريس- مع بدء الفصل الدراسي الثاني، الذي صادف الخامس من شباط/ فبراير الحالي، بدأ معلمون في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، إضراباً مفتوحاً، مطالبين بتحقيق مطالبهم في صرف رواتب لهم بعد سنوات من العمل التطوعي.

وأصدرت عدد من المدارس التابعة لمديرتي تربية إدلب وحماة بياناً، اطلع “سوريا على طول” على نسخة منه، أعلنت فيه “تعليق الدوام حتى تأمين حقوق المعلم المستحقة”، ويمثل البيان، كما جاء فيه، “جميع المدارس المتطوعة في تربية إدلب بكافة مجمعاتها التربوية: جسر الشغور، أريحا، حارم، معرة مصرين، إدلب، والدانا”.

وفي 13 شباط/ فبراير الحالي، نظم عشرات المعلمين والمتضامنين معهم من طلبة وناشطين، وقفة احتجاجية تحت شعار “إضراب الكرامة”، وهي الوقفة الثانية منذ بدء الإضراب، ورفعوا لافتات كتب عليها “حرمان المعلم من أبسط حقوقه يضع ما تبقى من العملية التعليمية على شفا حفرة”، مؤكدين “تعليق الدوام حتى تتحقق مطالبنا ويوضع للمعلم كرامة”.

“جاء الإضراب بعد استنزافنا تماماً”، وفقاً للأستاذ محمد مصطفى، مدرس مادة الرياضيات في ثانوية عبد الكريم اللاذقاني بمدينة إدلب، التي توقف الدعم عنها قبل عامين بعد أن كانت مدعومة من منظمة كومينكس (Chemonics)، معتبراً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “المعلم هو الحلقة الأضعف في المناطق المحررة [التابعة للمعارضة]”.

ويبلغ عدد المعلمين الذين يعملون تطوعاً من دون أجر في مناطق نفوذ حكومة الإنقاذ شمال غرب سوريا 6156 معلماً ومعلمة، فيما يبلغ عدد المدعومين 14609، وفقاً لإحصائية صادرة عن وزارة التربية في حكومة الإنقاذ.

من أصل 1033 مدرسة مفتوحة أمام طلبة محافظة إدلب يعمل كوادر 373 مدرسة بشكل تطوعي بالكامل، فيما تدعم منظمات محلية ودولية العملية التعليمية في 660 مدرسة أخرى

تداعيات الإضراب

في شمال غرب سوريا، حيث يعيش أكثر من أربعة ملايين نسمة، نصفهم نازحون، وفق تقديرات فريق “منسقو استجابة سوريا”، تشهد مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، حالة من عدم الاستقرار نتيجة توقف الدعم بشكل تدريجي، عن عدد من المشاريع بما في ذلك المشاريع التعليمية، منذ الإعلان عن تشكيل حكومة الإنقاذ المدعومة من “الهيئة” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

ومن أصل 1033 مدرسة مفتوحة أمام طلبة محافظة إدلب “يعمل كوادر 373 مدرسة بشكل تطوعي بالكامل، فيما تدعم منظمات محلية ودولية العملية التعليمية في 660 مدرسة أخرى”، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول”، حسن الشوا، مدير تربية إدلب.

وأدى إضراب المعلمين إلى “إغلاق 82 مدرسة أبوابها في وجه طلبتها من المرحلتين الإعدادية والثانوية”، ما أدى إلى “حرمان 16000 طالب وطالبة من التعليم”، وفقاً للشوا.

وحذّر الشوا من أن “انقطاع المعلمين المتطوعين عن التعليم يؤثر سلباً على استمرارية التعليم، وينذر بكارثة تجهيل جيل كامل، خصوصاً في إدلب التي تعاني من نسبة تسرّب بين الطلاب وصلت إلى 40%”، مشيراً إلى أن تربية إدلب “تعاني من وجود شواغر لـ 1397 معلماً ومعلمة”.

تصاعد أزمة التعليم في شمال غرب سوريا قد تدفع بمزيد من الطلبة إلى التسرب من العملية التعليمية، كما في حالة الطفل عمر (اسم مستعار)، 15 عاماً، “فإذا استمر إغلاق المدرسة نتيجة إضراب المعلمين، لا خيار أمامي إلا أن أخرجه إلى سوق العمل”، قال والده أحمد البكور لـ”سوريا على طول”، مشدداً على رغبته “في إكمال تعليمه، لكن لا يمكنني تسجيله في مدرسة خاصة بقسط سنوي 250 دولار أميركي [900,000 ليرة سورية بحسب سعر الصرف الحالي في السوق السوداء]”، في الوقت الذي يحصل على 20 دولار أميركي (72000 ليرة سورية) شهرياً لقاء عمله في مهنة الدهان، هذا المبلغ “بالكاد يسدّ مصاريفنا الشهرية وبالحد الأدنى”.

تحديات تفوق طاقة المعلم

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، أطلقت مديرية تربية إدلب مشروع دعم المدارس المتطوعة، بهدف شرح أوضاع المدارس التي يعمل كوادرها من دون رواتب بحثاً عن داعمين لهم. وقد عبر حسن الشوا، مدير تربية إدلب عن “تقدير جهود المعلمين الذين تحملوا مسؤولية المحافظة على حق الطفل في التعليم”، مشيراً إلى أن “المديرية تعمل على إيصال صوت المعلمين للجهات الرسمية والمنظمات الدولية، ولن توفر جهداً حتى تعود المكانة الحقيقية للمعلم”.

“تقدير جهود المعلمين والمعلمات بالكلام غير كافٍ”، قال المعلم محمد المصطفى، مشدداً على “ضرورة اتخاذ خطوات حقيقية تحفظ كرامتنا”، مشيداً في الوقت ذاته بموقف أولياء الطلبة “الذين شاركونا وقفتنا الاحتجاجية”.

من جهتها، رفضت المعلمة بيان الشحود أن يُتهم المعلمون المشاركون في الإضراب بتهديد التعليم في إدلب، معتبرة أن “من يحارب العملية التعليمية هي وزارة التربية والمنظمات الراعية للقطاع التعليمي”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

وتعمل الشحود كمعلمة لمادة اللغة العربية في مدرسة الوحدة العربية للإناث، التابعة لمجمع إدلب التربوي، من دون راتب منذ “انقطاع الدعم عن المدرسة قبل عام، وقد كانت مدعومة من منظمة إحسان”، لافتة إلى أن “المعلمين أكملوا عملهم من دون مقابل حتى لا تحرم 300 طالبة من حقهنّ في التعليم”.

من يحارب العملية التعليمية هي وزارة التربية والمنظمات الراعية للقطاع التعليمي

وكانت تتقاضى الشحود، وهي نازحة من ريف إدلب الجنوبي والمعيلة الوحيدة لثلاثة أطفال بعد وفاة زوجها، راتباً شهرياً مقداره 170 دولاراً أميركيا (611,000 ليرة)، قبل أن ينقطع الدعم عن مدرستها، تدفع منها 100 دولار أجرة المنزل الذي تتقاسمه مع أخيها وعائلته، ويذهب الباقي لتغطية مصاريف عائلتها الأساسية. 

وتعجز الشحود منذ انقطاع راتبها “عن تلبية احتياجات أطفالي”، حالها حال “الكثيرات من المعلمات الأرامل الذين ليس لهم معيل إلا الله”، بحسب قولها.

أما المعلم محمد المصطفى، المهجر من مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، وهو أب لأربعة أطفال، يعتمد منذ انقطاع راتبه، قبل عام ونصف العام، على أخيه المقيم في تركيا “لدفع أجرة المنزل الشهرية، وقيمتها 75 دولاراً أميركيا [270,000 ليرة]”، ويعمل “بدوام مسائي في مكتبة براتب 20 دولار أميركي شهرياً [72,000 ليرة] لسد بعض احتياجاتنا الشهرية”.

وأضاف المصطفى” أطفالي محرومون من أبسط حقوقهم في الغذاء واللباس. أحياناً نكتفي بتناول الخبز كوجبة طعام رئيسية”.

ورغم اعتراف المصطفى بدور المعلمين والمعلمات في بناء المجتمع ومسؤوليتهم تجاه أطفال إدلب إلا “أننا وصلنا لمرحلة عاجزين عن الاستمرار. يقع على عاتق المعلم بناء جيل المستقبل، لكنه أيضاً ربّ أسرة ولديه التزامات لا يمكنه تحمل أعبائها من دون أجر.

وقال المصطفى “نحن حجر الأساس لبناء المجتمع، ولكن إذا لم يتم دعم هذا الحجر سينهار المجتمع”، متفقاً مع بيان الشحود على ضرورة استمرار الإضراب حتى “تحقيق مطالبنا بتأمين حياة كريمة”، كما قالت.

آخر التقارير…