6 دقائق قراءة

آخر أوراق رباعي الائتلاف: هادي البحرة رئيساً لمؤسسة ميتة

ظاهرياً، انتخب البحرة رئيساً للائتلاف، لكن في الواقع فُرض تحت تهديدات صادرة عن رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف، عبد الرحمن مصطفى، الذي أصر، على إجراء الانتخابات في 12 أيلول/ سبتمبر وفوز البحرة، مستخدماً كلمات "غير لائقة".


15 سبتمبر 2023

باريس- في 12 أيلول/ سبتمبر الحالي، أعلن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، انتخاب هادي البحرة رئيساً جديداً له خلفاً للشيخ سالم المسلط، وكانت نتيجة الانتخابات، التي شبهها سوريون بـ”مسرحية الانتخابات” الرئاسية، معروفة قبل التصويت، وهو ذات السيناريو الذي جرى فيه اختيار سلفه في الدورة السابقة.

أثارت انتخابات الائتلاف، وهو أعلى مؤسسة سياسية تمثل المعارضة السورية، جدلاً واسعاً في أوساط السوريين، ودفعت بعض أعضاء الائتلاف للاستقالة. قبل ساعات من الإعلان الرسمي للنتائج -المعروفة مسبقاً- أعلن حافظ قرقوط انسحابه من الائتلاف، احتجاجاً على تصاعد الخلافات بين الأعضاء، وانتخاب هيئة رئاسية جديدة بشكل “غير قانوني”، على حد وصفه.

تضاف الفضيحة الجديدة إلى قائمة طويلة من الممارسات غير القانونية داخل الائتلاف وما يتبع له من مؤسسات، من قبيل تبادل المناصب بين نصر الحريري، الذي انتخب في تموز/ يوليو 2020، رئيساً للائتلاف بعد أن كان رئيساً لهيئة التفاوض، وأنس العبدة، الذي تولى منصب رئاسة هيئة التفاوض بعد انتهاء فترة رئاسته للائتلاف.

ونشأ الائتلاف بعد خلافات وانشقاقات “واسعة” وقعت في صفوف المجلس الوطني السوري، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. رعت دولة قطر بحضور دبلوماسيين عرب وغربيين، آنذاك، تشكيل الائتلاف، الذي جمع أطياف المعارضة السورية، واكتسب أهميته باعتباره المظلة السياسية لمنصات المعارضة، وأعلى سلطة سياسية للمعارضة، تتبع لها عدد من المؤسسات والهيئات مثل: الحكومة المؤقتة، هيئة التفاوض السورية، واللجنة الدستورية وغيرها.

ماذا حدث؟

ظاهرياً، انتخب البحرة رئيساً للائتلاف، لكن في الواقع فُرض تحت تهديدات صادرة عن أعضاء مقربين من الحكومة التركية، كما كشف الرئيس الأسبق للائتلاف نصر الحريري في بيان نشره على وسائل التواصل الاجتماعي. في إشارة إلى رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف، عبد الرحمن مصطفى، الذي أصر، على إجراء الانتخابات في 12 أيلول/ سبتمبر، وفوز البحرة، مستخدماً كلمات “غير لائقة”.

سبق موجة الانتقادات المرافقة للانتخابات رسالة مسربة لنائب رئيس الائتلاف الوطني، ربا حبوش، نشرت في منتصف آب/ أغسطس الماضي، تنتقد فيها آلية إجراء الانتخابات داخل المؤسسة، واصفة إياها بأنها “خرق واضح لمبادئ الديمقراطية ومنافٍ لحق ممارسة التصويت بشكل حر”، إذ تجري الانتخابات وفق مبدأ “التفويض”. أي يمكن لعضو في الائتلاف أن ينتخب بالنيابة عن أعضاء آخرين مفوضين له. وجاءت رسالة حبوش بعد تأجيل موعد الانتخابات، الذي كان مقرراً في تموز/ يوليو الماضي.

وفي هذا السياق، قال عضو في الائتلاف الوطني من مكان إقامته في اسطنبول التركية، طالباً من “سوريا على طول” عدم الكشف عن اسمه، أن ما يعرف بـ”مجموعة G4″ هي من “فرضت تعيين هادي البحرة بذريعة أنه مطلب تركي لا يمكن تغييره، لكن في الحقيقة أن المجموعة تريد الهيمنة على كافة القرارات والمناصب السيادية في الائتلاف”.

“مجموعة G4” تحاكي مجموعة الأربع، التي تضم دول البرازيل وألمانيا والهند واليابان، التي تسعى للحصول على مقاعد دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولا رابط بين التسمية الأصلية وأعضاء الائتلاف الأربعة: بدر جاموس، أنس العبدة، عبد الأحد اصطيفو، وهادي البحرة.

ورغم أن الائتلاف أعلى سلطة من الحكومة السورية المؤقتة، التي يرأسها عبد الرحمن مصطفى، إلا أن للأخير سلطة على الائتلاف باعتباره مدعوماً من أنقرة، ويهيمن على كتل المجلس التركماني والمجالس المحلية والفصائل ومجلس العشائر والقبائل السورية داخل الائتلاف، وكأنه مالك الأصوات الأكبر داخل المؤسسة.

“لا يمكن اعتبار ما جرى مؤخراً حدثاً مستقلاً بحد ذاته بعدياً عن هيكلية المؤسسة وما حصل خلال السنوات السابقة”، من وجهة نظر المهندس أيمن عبد النور، رئيس منظمة مسيحيون سوريون من أجل السلام، المقيم في واشنطن، معتبراً أن انتخاب البحرة، مماثل لما حصل مع سلفه الشيخ سالم المسلط، إذ “عرف السوريون بأنه سيفوز قبل شهرين من الانتخابات”.

وأضاف عبد النور لـ”سوريا على طول”: “صار الائتلاف منصة تركية باعتراف كل الدول الأخرى”، في إشارة إلى تحكم أنقرة بقرارات الائتلاف وأعضائه.

وبدوره، اعتبر الكاتب والمعارض السوري، حافظ قرقوط، المنسحب من الائتلاف، أن ما جرى “هو تعيين بشكل مباشر، جرى تغطيته بانتخابات شكلية”، ولا يمكن تسمية ما حصل “انتخابات”.

مشكلة هيكلية

يعاني الائتلاف الوطني، كما باقي مؤسسات المعارضة السياسية، من مشاكل “بنيوية” كبيرة، تتعلق ببناء الائتلاف و”عمله وتعريفه لنفسه والتزامه بأدبيات النظام الداخلي ومبادئ المعارضة السورية، التي ثارت من أجلها على نظام استبدادي”، كما قال وائل وعلوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، ومقره تركيا، معتبراً أنه “من غير المقبول تبرير ما حصل بالضغوطات والظروف الخارجية دون النظر إلى المشاكل البنيوية”.

وأضاف علوان لـ”سوريا على طول” أن “الإئتلاف يدير نفسه ويدير باقي المؤسسات التابعة له، ومنها الحكومة المؤقتة التي تتبع لها المجالس المحلية والجيش الوطني، لذلك مطلوب منه أكثر من غيره أن يحقق النموذج الذي يريده كل السوريين”.

وعلى الرغم من أن المشاكل الهيكلية والبنيوية في مؤسسات المعارضة ليست وليدة اللحظة، إلا أنها تأتي الآن في ظل ظروف سياسية حساسة ومختلفة، إذ تتزامن مع “حراك دولي وعربي يتعلق بالضغط على نظام بشار الأسد للالتزام بعدد من المطالب التي قدمتها له الدول العربية”، وأيضاً “حراكات داخلية في السويداء ودرعا، وصدامات في الشمال الشرقي، وتسريبات وانشقاقات ورسائل قاسية داخل الائتلاف، حصلت على مستوى نائب رئيس ورئيس ائتلاف سابق”، كما قال عبد النور.

في السياق ذاته، اعتبر عضو الائتلاف المقيم في اسطنبول، أن “ما حدث يؤثر سلباً على علاقة الائتلاف بالدول العربية والغربية، كونه يرسخ فكرة غياب الحوكمة والشفافية عن المعارضة، ما يعني أنها فقدت عنصر هام يميزها عن النظام”، إضافة إلى أن “تسلم البحرة هو رسالة للعرب والغرب أن الائتلاف تحت وصاية تركية كاملة، وهو ما يضر بكافة مؤسساتنا”.

بدوره، قلل قرقوط من تأثير ما جرى في الانتخابات على الملف السياسي، كون هذا الملف “خارج إرادة السوريين أصلاً، نظراً للتدخل الدولي الكبير فيه”.

واتفق الباحث علوان مع طرح قرقوط، مرجعاً ذلك إلى أن “الائتلاف صار في مقدمة الفاعلين المحليين الذين لم يعد لهم دور كبير في التأثير بالوضع السياسي السوري”. فمنذ عام 2014، انتقل الملف السوري “من طور البحث عن الحل -وحينها كان للمعارضة والفاعلين المحليين دور في رسم المشهد السياسي أو التأثير فيه- إلى مرحلة التسوية السياسية وإيجاد صيغة جديدة للحل تتوافق عليها القوى الإقليمية والدولية وتفرضها على الفاعلين المحليين”، بحسب علوان.

وأضاف علوان: “اختيار البحرة نابع من التوازنات السياسية الداخلية للائتلاف ولا علاقة له بالحسابات الخارجية، لأن رموز المعارضة وشخوصها لا يؤثرون كثيراً في الموازين الخارجية، إنما تبني الدول مصالحها وفق مقاربتها ومصالحها وليس وفق الأشخاص والكيانات السياسية”.

المشكلات الهيكلية في الائتلاف طيلة السنوات الماضية، جعلته يخسر الكثير من علاقاته السياسية الخارجية. فالإدارة الأميركية “تعتبر الائتلاف منصة تركية، وهذا بشكل رسمي وواضح، وتم إبلاغ الائتلاف بذلك بشكل صريح حينما كان أنس العبدة رئيساً له”، بحسب عبد النور، مستدلاً على ذلك بإصدار الائتلاف بياناً “ضد الطلبات الأميركية الواضحة عندما تدخلت تركيا بقواتها دون مشاورة أحد من أجل تنفيذ عملية نبع السلام شمال سوريا”، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى “قطع جميع المساعدات المالية والدبلوماسية والغطاء السياسي عن الائتلاف وتم إغلاق مكتبه في واشنطن، وصارت تتعامل معه كمنصة تركية وليس ممثل أو منسق وراعي وحيد للمعارضة وقواها”.

قبل الأزمة الأخيرة التي عصفت بالائتلاف تنظر الإدارة الأميركية والأوروبيون لأداء المعارضة “نظرة سلبية، وخصوصاً الائتلاف”، بحسب علوان، مستبعداً أن يؤثر التراشق الإعلامي والاستقالات الأخيرة على الساحة الدولية. 

وأضاف علوان: “فقد الائتلاف بأدائه القائم على التنافس والصراعات الداخلية الكثير من أسهمه ضمن المعارضة السوري وضمن الفاعلين المحليين، لذلك ليس هناك الكثير من المكتسبات التي يملكها أو الخسائر التي يخسرها مما حصل مؤخراً”.

الإصرار على البحرة

فسر رئيس منظمة مسيحيون سوريون من أجل السلام، أيمن عبد النور، الإصرار على اختيار هادي البحرة، بكون مجموعة “G4″، التي ينتمي إليها رئيس الائتلاف الجديد، “استنفدت كل أعضائها، فمثلاً بدر الجاموس، يشغل منصب رئيس هيئة المفاوضات، لذلك لا يمكنه استلام الائتلاف الآن، وأنس العبدة، تسلم الائتلاف مرتين ولا يمكنه الترشح لفترة ثالثة بحسب القانون الداخلي للائتلاف، وعبد الأحد اصطيفو من الصعب أن يترشح”، لذلك “لم يبقَ سوى هادي البحرة، الذي بقي له فترة رئاسية واحدة وأخيرة”.

وبتسلم البحرة، تضمن المجموعة “حصر كامل المناصب في الائتلاف والمؤسسات والهيئات التابعة له تحت سيطرتها، حيث تدير المجموعة اليوم كل قرارات وأجسام وهيئات المعارضة”، كما قال عبد النور.

ورغم الانتقادات، قال عبد النور “البعض يقول أن البحرة صار يتقن اللعبة الدبلوماسية، مستفيداً من تجاربه السابقة، لذلك قد يكون أفضل من غيره، خاصة في هذه الفترة الحرجة جداً، التي قد تؤدي إلى كثير من الاتفاقات، قد يصعب على شخص غير متمرس أن يحسن التعامل معها”. 

من جهته، استنكر قرقوط الإصرار على تعيين البحرة، متسائلاً: “لماذا الإصرار على تسميته رئيساً للائتلاف”، مضيفاً: “تمتلك مجموعته علاقات واسعة مع سفراء ومندوبين وشخصيات سياسية، ومن خلال هذه العلاقات حافظت وجوه المجموعة على وجودها في الواجهة، فهم عبر هذه العلاقات يرسخون مصالحهم الشخصية، ومن هذا الباب تم تكريس شخصية البحرة وغيره”. 

يتسلم البحرة، إضافة إلى رئاسة الائتلاف، العديد من المناصب داخل مؤسسات المعارضة، أهمها: رئيس الوفد المشارك في اللجنة الدستورية عن المعارضة، وعضو الهيئة السياسية في الائتلاف، وعضو في هيئة التفاوض السورية، ومندوب الائتلاف لصندوق الائتمان الدولي. وحتى اللحظة، لم يعلن الائتلاف أو البحرة تخليه عن أي من المناصب السابقة، ما يعني تداخل في صلاحياته، لاسيما فيما يتعلق باللجنة الدستورية ومرجعيتها للائتلاف.

وتعليقاً على ذلك، قال قرقوط: “لم يعلن البحرة أنه سيترك أياً من المناصب التي يتسلمها”، وكأن بعض شخصيات المعارضة السورية “يعتبرون ما يحصلون عليه مغانم شخصية تحت غطاء أنه تكليف وخدمة عامة”.

وأمام ما يجري في الائتلاف، توقع عبد النور أن يستمر وجود الائتلاف “لكنه لا يحظى باحترام داخلي ولا دولي، وإنما سيتم التعامل معه لأن هناك نصاً قانونياً يشير إلى أنه ممثل عن الشعب السوري”. 

“لكن بعد هذه المهاترات والشتائم المؤسفة، إن بقي الائتلاف على حاله، فهو متجه إلى اللا شيء، إلى الدفن وليس إلى الإصلاح”، ختم قرقوط.

شارك هذا المقال