8 دقائق قراءة

الإعلام السوري بعد عشر سنوات على الثورة: صراع من أجل حرية التعبير عن الحقيقة

رغم تباين مستوى حرية الإعلام في سوريا بحسب مناطق السيطرة، فإن المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها أو المتعاونين معها من ناشطين ما يزالون يعانون من مقص الرقيب الذي يؤثر بدوره على إمكانية التغطية الإعلامية بموضوعية


28 مارس 2021

عمان- بعد عشر سنوات على اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011، وانحسار العمليات العسكرية خلال العام الماضي، ما أسهم “في انخفاض عدد الانتهاكات بحق الإعلام في سوريا”، فإن “سقف الحريات لا يزال في حدوده الدنيا داخل البلاد”، على حد وصف إبراهيم حسين، مدير المركز السوري للحريات الصحفية التابع لرابطة الصحفيين السوريين.

في سوريا، البلد الذي يوصف بـ”مملكة الصمت” نظراً لسياسات نظام الأسد القمعية التي حدّت من حرية الصحافة لعقود، شهد الإعلام تحولاً كبيراً منذ اندلاع الثورة، وتحديداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. لكن ما يزال الصحفيون السوريون عرضة لتهديد قوى الصراع. إذ إن “كل القوى تتبع سياسة كم الأفواه، وتحاول السيطرة المطلقة على المشهد الإعلامي في مناطق سيطرتها”، كما أضاف حسين لـ”سوريا على طول”.

أما في مناطق سيطرة نظام الأسد تحديداً، فـ”لم يطرأ منذ عشر سنوات وحتى هذه اللحظة أي تغيير يذكر لناحية مضمون إعلام النظام وخطابه للسوريين أو للخارج”، كما قال الصحفي سمير عبد الرؤوف (اسم مستعار)، المقيم في دمشق، لـ”سوريا على طول”. أسوأ من ذلك أن “يد النظام طالت مؤيديه من الناشطين والصحفيين حتى باتت الأفرع الأمنية وقسم الجرائم الإلكترونية بالمرصاد لكل من يتفوه بكلمة خارج قاموس النظام”، وذلك على خلفية الانتقادات المتعلقة بسوء الأوضاع الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار إلى مستوى غير مسبوق.

“يد النظام طالت مؤيديه من الناشطين والصحفيين حتى باتت الأفرع الأمنية وقسم الجرائم الإلكترونية بالمرصاد لكل من يتفوه بكلمة خارج قاموس النظام”، قال الصحفي سمير عبد الرؤوف

وفيما شهد ترتيب سوريا تحسناً طفيفاً على مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” في العام 2020، حين انتقلت سوريا إلى المرتبة 174 من أصل 180، بعد أن كانت في المرتبة 177 العام 2014، إلا أنها ما تزال في ذيل القائمة ضمن الدول العشر الأخيرة.

ولادة الإعلام الجديد

مع اندلاع الثورة، التحق علاء فطراوي، ابن مدينة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، بالعمل الإعلامي، بهدف “نقل وقائع ما يجري” كما قال لـ”سوريا على طول”، “نظراً لقلة العاملين في هذا المجال”. وقد استمر في نشاطه الإعلامي إلى حين “حصولي على منحة لجوء إلى ألمانيا مع عدد من الإعلاميين في إدلب، مطلع العام الحالي”، أي على أبواب الذكرى العاشرة للثورة.

فطراوي وزملاؤه من الناشطين والإعلاميين في أنحاء البلاد كسروا رقابة الأجهزة الأمنية لنظام الأسد الذي احتكر الإعلام في مؤسساته لأكثر من نصف قرن. إذ مع اندلاع الاحتجاجات السلمية، “بدأ المواطنون في إنشاء نوع خاص بهم من وسائل الإعلام، وصاروا صنّاعاً للأخبار”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، رولا أسعد، المديرة التنفيذية لشبكة الصحفيات السورية. 

وعدا عن خروج إعلام الثورة عن النص الذي فرضه نظام الأسد لعقود، فقد أسهمت الثورة في ظهور منابر إعلامية بلغات محلية، من قبيل إذاعة “آرتا إف إم” التي تبث برامجها باللغة الكردية والعربية والسريانية، وصحيفة “ولات” الكردية، ومؤسسة “نودم” الإعلامية الكردية أيضاً، ما يعكس التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تحدث في جميع أنحاء البلاد.

“تجربة عشر سنوات من العمل الإعلامي تميزت بعدد كمي كبير من التجارب الإعلامية”، كما قالت مديرة برنامج الإعلام والحريات في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، يارا بدر، لـ”سوريا على طول”، خاصة في العامين 2012 و2013 “عندما كان الدعم موجهاً بشكل كبير لدعم تنوع الأصوات وبناء القدرات”.

“تجربة عشر سنوات من العمل الإعلامي تميزت بعدد كمي كبير من التجارب الإعلامية، خاصة في العامين 2012 و2013، عندما كان الدعم موجهاً بشكل كبير لدعم تنوع الأصوات وبناء القدرات” كما قالت يارا بدر. 

وكان المركز رصد في دراسة له في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 وجود 162 مؤسسة ووسيلة إعلامية سورية عاملة، منها 119 وسيلة انطلقت بعد العام 2011.

لكن هذا لا ينفي وجود “تحديات كبيرة واجهت قطاع الإعلام، بدءاً من قلة الإمكانات، ومروراً بخطر قصف الطيران وتهديد النظام”، بحسب فطراوي الذي رأى أنه رغم ذلك “حقق الإعلام الثوري تطوراً ملحوظاً”، معبراً عن رضاه عما وصل إليه هذا الإعلام، وما حققه من “إيصال صوت الناس لكل العالم”.

في المقابل، رأى المهندس أيمن عبد النور، مدير منظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام”، ومؤسس موقع “كلنا شركاء”، أن ظهور مئات المواقع الإلكترونية وعشرات الإذاعات في غضون أشهر قليلة كان “سبباً في غياب  المهنية عن عدد من وسائل الإعلام السورية من حيث التقصي عن الخبر والتوثق منه قبل نشره، وإخراجه بقالب تحريري جيد”. مشدداً في الوقت ذاته على أنه بعد عقد على اندلاع الثورة السورية “توجد مؤسسات إعلامية سورية متميزة، ولها أعمال إعلامية جيدة جداً” كما أضاف لـ”سوريا على طول”، وهي مؤسسات “بدأت بالابتعاد عن الكتابة بتعبيرات غير مهنية، والخروج من طرح التوصيفات إلى طرح الحقائق”.

صحافة المواطن: سيف ذو حدين

أسهم التحول الذي فرضته الثورة في ظهور صحافة المواطن، بمشاركة المواطنين السوريين في توثيق أحداث الثورة والانتهاكات التي رافقتها من كل قوى الصراع، موفرين أعداداً لا تحصى من مقاطع الفيديو والصور التي يستخدم بعضها حالياً كأدلة تدين مرتكبي جرائم الحرب في المحاكم.

عزز من دور هذا النوع من الصحافة غياب المراسلين الموفدين من وسائل إعلام دولية عن الساحة السورية، لمحاذير الأمن والسلامة. فكان أن عوّض الناشطون الإعلاميون السوريون هذا النقص. و”وصل عدد الانتهاكات الموثقة بحق [الصحفيين الأجانب] حتى آذار الحالي 73 انتهاكاً”، بحسب إبراهيم حسين.

أيضاً، أتاحت صحافة المواطن المجال لمشاركة المرأة في حقل الإعلام، بحيث لم يكن ليبرز “الكثير من الصحفيات من دون هذا النوع من الصحافة”، بحسب رولا أسعد. مضيفة أنه”مع اندلاع الثورة صار لدينا مزيد من الناشطات الإعلاميات والصحفيات والمواطنات الصحفيات”. 

وهذا ما أكدت عليه الصحفية المستقلة عفاف جقمور العاملة في شمال غرب سوريا. إذ “كان المجتمع يستغرب وجود فتاة في هذا الميدان، وفي كثير من الأحيان كنت البنت الوحيدة أو المراسلة الوحيدة”، كما أوضحت لـ”سوريا على طول”، فيما “اليوم عمل المرأة في الإعلام صار ظاهرة عامة”. ويقدر عدد الصحفيات العاملات في مناطق شمال غرب سوريا وحدها، والخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام، بنحو 60 صحفية.

“كان المجتمع يستغرب وجود فتاة في هذا الميدان، وفي كثير من الأحيان كنت البنت الوحيدة أو المراسلة الوحيدة، فيما اليوم عمل المرأة في الإعلام صار ظاهرة عامة”، بحسب الصحفية عفاف جقمور

لكن ظهور صحافة المواطن لا تخلو من وجود سلبيات على الإعلام والعاملين فيه. إذ بحسب الصحفية شادية التعتاع، من مدينة كفرنبل، “وقع الصحفيون والصحفيات العاملون داخل سوريا ضحية استغلال الوكالات المحلية والعالمية”. إذ إن “الظروف المعيشية وحجم الالتزامات تدفعنا إلى العمل بأي أجر مهما كان قليلاً حتى نعيش”، كما اضافت لـ”سوريا على طول”.

كذلك، فإن كثيراً من المواطنين الصحفيين الذين “ملأوا الفراغ الذي خلفه استهداف الصحفيين وهجرتهم، نقلوا الخبر بشكل فطري بعيداً عن القواعد المهنية”، بحسب جقمور، خاصة “وأنه لا توجد قواعد تحكم الصحافة اليوم في مناطق سيطرة المعارضة ولا توجد قوانين أو مؤسسات صحفية تحمينا”.

في الاتجاه ذاته، اعتبرت رولا أسعد، أنه رغم أهمية صحافة المواطن، فإنها “أسهمت في زيادة الأخبار الكاذبة”، من خلال المبالغة، “إذ يسعى الكثير من الصحفيين إلى لفت الانتباه إلى أنفسهم أو منطقتهم”، وبحيث “يحصل أحياناً تضارب في المعلومات بين الصحفي المحترف والصحفي المواطن”.

انتهاكات وتحديات 

بين آذار/مارس 2011 و2021، وثق المركز السوري للحريات الصحفية 1,353 انتهاكاً بحق الإعلام في سوريا، “من بينها 461 حالة قتل، منها سبع حالات طالت إعلاميات نساء”، كما قال إبراهيم حسين. لافتاً إلى أنه “من بين الانتهاكات 346 حالة اعتقال أو احتجاز أو خطف، 15 انتهاك منها موجه ضد إعلاميات”.

وبحسب تقرير صدر عن المركز في الذكرى السنوية العاشرة للثورة، يتصدر النظام قائمة الجهات المسؤولة عن ارتكاب الانتهاكات بحق الإعلام على امتداد العقد الماضي، بـ608 انتهاكات، يليه تنظيم “داعش” بـ138 انتهاكاً، وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) بـ132 انتهاكاً، أما المعارضة السورية فجاءت في المركز الرابع مرتكبة 109 انتهاكات، وجاء حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) خامساً بـ99 انتهاكاً، تليه روسيا بـ63 انتهاكاً، وتركيا بـ30 انتهاكاً. فيما سجل 45 انتهاكاً على يد جهات أخرى، و129 انتهاكاً من قبل مجهولين.

الإعلامي فطراوي كان من بين ضحايا الاعتداء على الإعلام في سوريا. فإضافة إلى كونه عرضة دائماً لقصف النظام على شمال غرب سوريا، فقد “تعرضت للخطف من تنظيم داعش في العام 2014 أثناء تغطيتي [للأحداث] في ريفي إدلب وحماة”، كما قال.

ولا تقتصر مسؤولية النظام عن ارتكاب انتهاكات بحق الإعلام في المناطق الخارجة عن سيطرته، من خلال استهداف الصحفيين بالقصف؛ إذ شن مؤخراً حملات اعتقال ضد الإعلاميين والناشطين في مناطق سيطرته. وقد تم توثيق اعتقال ثمانية أشخاص، في كانون الثاني/يناير الماضي، من بينهم مقدم برامج تلفزيونية، في إطار حملة لمكافحة ما يسمى “الأخبار الكاذبة” على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما “عمليات اعتقال الصحفيين والناشطين تتكرر [في مناطق النظام] لمجرد تعبيرهم عن سوء الأوضاع أو نقد حالة فساد بمنشور فيسبوكي”، بحسب الصحفي عبد الرؤوف.

وإذا كانت انتهاكات جميع قوى الصراع في سوريا تهدد الإعلام في سوريا، فإن نقص التمويل بدوره يهدد استمرار عمل المؤسسات الإعلامية، ويسهم في هجرة مزيد من العاملين المحترفين فيها إلى خارج البلاد. إذ “شهدنا تزايداً كبيراً في أعداد الصحفيين والناشطين الإعلاميين الذين خرجوا من البلاد”، بحسب حسين، “وتوقف العديد من المؤسسات الإعلامية لعدم قدرتها على العمل بالشكل المطلوب بسبب التضييق أو لأسباب مالية”.

“توقف العديد من المؤسسات الإعلامية لعدم قدرتها على العمل بالشكل المطلوب بسبب التضييق أو لأسباب مالية”.

واتفق عدد من المصادر الذين تحدث إليهم “سوريا على طول” على أن نقص التمويل يمثل واحداً من أهم التحديات التي تواجه الإعلام السوري. في هذا السياق كشف المهندس أيمن عبد النور أنه منذ العام 2017 صارت ميزانية موقع “كلنا شركاء” صفراً نتيجة “الأزمة الاقتصادية في دول الخليج وتركيا، إذ كان يعتمد الموقع على التبرعات من تجار سوريين مقيمين هناك”. معبراً عن أسفه لاضطرار وسائل إعلام سورية خاصة، بما فيها مؤسسته، إلى “تقليص الوظائف والاعتماد بشكل متزايد على المتطوعين والعاملين بدوام جزئي”.

إخضاع واستقطاب

مع أن الثورة كسرت القيود المفروضة على الإعلام، وخلقت مساحة من الحرية للصحفيين والصحفيات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تحديداً، إلا أن “الإعلام السوري بشكل عام لم يرق لمستوى الحدث”، برأي عبد النور، خاصة وأن “غالبية وسائل الإعلام السورية تنقل وجهة نظر واحدة من الصراع”، بحيث “ظهر إعلام حزبي، ومناطقي، وإعلام يتبع لمنظمات أو قيادات سياسية أو تيارات دينية. وهذا الإعلام يردّ على أي انتقادات، في تكرار لما حصل ويحصل في مناطق النظام”.

أيضاً، ورغم تباين مستوى حرية الإعلام في سوريا بحسب مناطق السيطرة، فإن المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها أو المتعاونين معها من ناشطين ما يزالون يعانون من مقص الرقيب الذي يؤثر بدوره على إمكانية التغطية الإعلامية بموضوعية. ففي مناطق النظام تكاد التغطية الصحفية تكون معدومة إلا وفق الخط الذي رسمه النظام لهذا القطاع. أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شمال شرق سوريا، فلا يمكن مزاولة العمل الصحفي للمؤسسات أو الأفراد إلا بتراخيص صادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية.

بدورها، تفرض فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا قيوداً من قبيل “إلزام الصحفيين والصحفيات استخراج بطاقات صحفية”، كما قالت الصحفية التعتاع، مستدركة أنه “بعد عشر سنوات من الثورة توجد مساحة حرية واسعة للصحفيين في إدلب، وطالما أنت حاصل على بطاقة صحفية يمكنك تغطية الحدث الذي تريد”. لكن هذا لا ينفي وجود انتهاكات بحق الصحفيين في مناطق المعارضة شمال غرب سوريا، حيث اتهمت هيئة تحرير الشام التي تسيطر على إدلب، وفصائل الجيش الوطني المدعوم من تركيا في ريف حلب الشمالي، مراراً بارتكاب انتهاكات بحق الإعلام في سوريا.

ويعود تدخل “سلطات الأمر الواقع في مختلف المناطق السورية في الإعلام نظراً لأهميته ودوره في تشكيل الرأي العام تجاه منطقة سيطرتها”، بحسب يارا بدر، لذلك “تحاول تلك السلطات الحد من حرية الخطاب الإعلامي وفرض رقابة مشددة على العمل الإعلامي، سواء من خلال منح التراخيص أو عدمها، أو عبر التدخل المباشر لإيقاف صدور أو نشر مواد إعلامية قد تحمل رأياً مخالفاً لها”. وقد انعكس هذا التدخل “على المضمون الإعلامي، حيث تختفي مساحات النقاش والنقد، ويحلّ محلها خطاب خالٍ من التنوع في وجهات النظر ويعبّر عن اتجاه سياسي واحد”.

ويعود تدخل “سلطات الأمر الواقع في مختلف المناطق السورية في الإعلام نظراً لأهميته ودوره في تشكيل الرأي العام تجاه منطقة سيطرتها”

وإذا كان إعلام ما بعد العام 2011 في شمال شرق سوريا وغربها يواجه تحديات كبيرة من شأنها التأثير على مضمونه، فإن إعلام نظام الأسد لا يعدو أكثر من “بروباغاندا”، على حد وصف الصحفي عبد الرؤوف، و”بعد عشر سنوات لم يتعلم النظام أن البروباغاندا التي يسميها إعلاماً لم تعد تقنع حتى طفلاً صغيراً بخطابها”.

 

تم إنجاز هذا التقرير بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

شارك هذا المقال