6 دقائق قراءة

سائق شاحنة سوري: القصف والألغام واللحية الإجبارية جزء من الطريق بين مناطق المعارضة وتنظيم الدولة

في صباح يوم صاف، في الشهر الماضي، انطلق أبو أحمد، […]


9 يونيو 2016

في صباح يوم صاف، في الشهر الماضي، انطلق أبو أحمد، سائق شاحنة من محافظة حلب، في رحلة اعتيادية لشراء الديزل من مصفاة بدائية للوقود في مناطق تنظيم الدولة شمال شرق حلب.

وكان أبو أحمد قطع الرحلة  نفسها مئات المرات خلال السنة الماضية، وألف شبكة الطرق الرئيسية والشوارع التي طالما تقاسمها مع الشاحنات التي تحمل الفواكه والخضار إلى مدن خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة شرقاً.

وفي هذه المرة، سلك سائق الشاحنة المتمرس طريقاً جديداً بسبب الاشتباكات بين تنظيم الدولة ووحدات الجيش السوري الحر شمال مدينة حلب، في وقت توقفت فيه مئات الشاحنات العجزة عن إكمال مسيرها على كل من  طرفي خطوط الجبهات، لتشل مؤقتاً اقتصاد الحرب في شمال غرب سورية.

ولضمان استمرار تدفق النفط، فتحت قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف تدعمه أميركا ويضم ميليشيات كردية وعربية وتسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردية، طريقاً جديداً لسائقي الشاحنات من حلب عبر مناطق تم السيطرة عليها مؤخراً من الجيش السوري الحر إلى الجنوب.

وقال أبو أحمد “سلكت الطريق الجديد لقوات سوريا الديمقراطية عبر احرص ولم يكن مألوفاً لي (…) كان هناك اشتباكات في المنطقة، وكنت أعلم أنها ربما تكون مليئة بالألغام والذخائر غير المتفجرة”.

أثار قصف الغارات الروسية لصهاريج النفط في شمال سوريا في تشرين الأول الماضي. حقوق نشر الصورة لـ حسن الحميد

وبعد السفر بأمان عبر معظم المناطق الخاضغة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وحين كان أبو أحمد يقترب أكثر من الطرق التي يألفها في مناطق حلب الخاضعة لحكم تنظيم الدولة، انفجر لغم تحت العجلة الأمامية اليسرى. وقال “كنت متنبها جداً، ولكن لا يمكنك أن ترى كل شيء”.

واللغم المتفجر، وعلى الأرجح أنه صناعة محلية، شوه المحور الأمامي لصهريج الشاحنة، وتسبب في إصابة أبو أحمد  بحروق بليغة.

وبعد بضع أسابيع من النقاهة وانتظار إصلاح شاحنته، عاد أبو أحمد للطريق مجدداَ، ولكن لماذا؟

يجيب أبو أحمد على ذلك السؤال، لمراسلة سوريا على طول نورا حوراني، بقوله “شاحنتي هي مصدر رزقي الوحيد”.

ماهي الصعوبات التي تواجهونها خلال الرحلة من المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار إلى مناطق التنظيم؟

من الصعوبات التي نواجهها، إغلاق الطريق فجأة، في هذه الحالة سيضطر التاجر أن يبقى عالقاً لمدة شهر أو شهرين حتى يفتح الطريق، إما بمناطق التنظيم أو بإعزاز باتنظار المرور، وهذا الوقت يتطلب مصروفاً كبيراً للمبيت وشراء الطعام، وايضا الخطر الاكبر هو عندما يبقى السائق عالقاً بين الطرفين، مناطق التنظيم ومناطق المعارضة، وذلك بعد انتهاء مدة الدخول والتي تحدد من مطلع الفجر الى الغروب، عندها تكون حياة السائق وشاحنته في خطر، خصوصاً عند الاشتباكات ليلاً وكثير من السائقين فقدوا حياتهم بسبب ذلك.

وكذلك الألغام الموجودة في الطريق، واستهداف الطيران من التحالف والروسي والنظامي لسيارات المحروقات، والذي حدث اكثر من مرة وسبب مجازرا. وفي  إحداها كنت انا موجوداً فيها عندما استهدف الطيران الروسي رتل المازوت في احرص، حين كانت بيد الجيش الحر واستشهد زميلي والكثير من السائقين، اضافة الى ما يقارب 30 سيارة.

وليس فقط التحالف من يستهدف صهاريج المازوت، وإنما الروس والنظام أيضاً والطبيعة الجغرافية وتغيير الطرق، فالتغيير بمناطق السيطرة واختلاف الطرق يؤثر على السائقين سلباً، لأن السائق بعد ان يحفظ الطريق يجد نفسه مضطرا الى تغيير الطريق لطريق جديد لا يعلم عن مخاطره وخصوصا الالغام. وانا شخصيا منذ حوالي أسبوعين انفجر بي لغم كان بأحد الطرق الفرعية الجديدة الذي فتح من مناطق التنظيم الى مناطق الاكراد وسبب لي جروحا. والطرق التي يسيطر عليها النظام لا نمر بها ابدا لانها تكون مرصودة، ويستهدف اي سيارة يراها امامه.

فلماذا تستمر في العمل كسائق شاحنة مع كل هذه المخاطر؟

شاحنتي هي مصدر رزقي الوحيد. وهذا ينطبق على الكثير من سائقي الشاحنات. وغالباً الدخل الذي يعود به يسند العائلة بأكملها. ومنذ بدء الثورة، تزايد عدد سائقي الشاحنات لأنهم فقدوا عملهم السابق.

ثانياً، الناس تعتمد على سائقي الشاحنات، فنحن ننقل كل شيء من الفواكه إلى الخضار والوقود المنتج في مناطق تنظيم الدولة. وشاحنات المحروقات لها أهمية بالغة، لا سيما وأن الديزل هو شريان الحياة للكثيرين، فهم يستخدمونه في تشغيل المولدات المنزلية. وبدون الديزل فإن الكثير من مناحي الحياة سيصيبها الشلل.

هل يفرض التنظيم على التجار إجراءات معينة أو يضيق عليهم؟

التنظيم بشكل عام لا يضايق التجار، ولكنه يحاسب السائقين على الأمور الشرعية كحلاقة الذقن، ويجب على السائق إرخاء لحيته، ولكن ليس من الضروري ان تكون طويلة ممكن 1 سم، والدخان وهناك حواجز للتنظيم يمر عليها التاجر ويقوم التنظيم بمصادرة الدخان الذي يعتبره ممنوعا، فإذا كان التاجر من مناطق المعارضة يكتفي بمصادرة الدخان وإتلافه آما إذا كان من مناطق التنظيم فيقوم بإخضاع التاجر لدورة شرعية لمدة أسبوع، كما أن التنظيم يفرض الزكاة على جميع السيارات وهي مبلغ سنوي يدفعه التاجر للتنظيم، ويقدر التنظيم نسبة الزكاة الشرعية بحسب أرباح كل تاجر، ولكن هذه النسبة تعتبر قليلة مقارنة بما تأخذه وحدات الحماية الكردية من التاجر، فهم يأخذون 500 ليرة سورية عن كل برميل عند الدخول ومرة أخرى عند الخروج.

تدخل الشاحنات الى مناطق سيطرة التنظيم بشكل عادي، طبعا بعد التفتيش على الحواجز، والتاجر حر في شراء المحروقات إما  من الأسواق أو من الحراقات المنتشرة في المدينة، ولكن المحروقات لا تتوفر بشكل دائم في السوق بينما يتوفر في الحراقات بشكل دائم، إلا عندما ينقطع الطريق نهائيا بسبب الاشتباكات عندها تتوقف الحراقات، لأن الحركة التجارية تتوقف. ويقوم التاجر بالإتفاق مع إحدى الحراقات على سعر معين، ويشتري بالليرة السورية والحراقات أصحابها مدنيين وليسوا من عناصر التنظيم، ولكن التنظيم يحدد سعر مادة الفيول وبالدولار، وهناك سيارات متخصصة لبيع الفيول من الآبار وهذه السيارات تقف على الدور وقد تقف 40 يوما حتى يأتي دورها، وبعدها يبيع التاجر الفيول في السوق السوداء وهو حر بتحديد السعر، ولكن إجمالا الأسعار لا تتفاوت كثيرا ممكن أن يكون الفرق بين 4 الى 5 آلاف فقط عن سعره من الآبار.

ألا تخشون دخول مناطق التنظيم؟

أنا وجميع السائقين نخاف من دخول مناطق داعش خوفا من استهدافنا، ولكننا مضطرين لتأمين لقمة العيش لنا ولاطفالنا خصوصا أنه لم يعد أمام الكثيرين مصدر للرزق، أنا ادخل وروحي على كفي في أي لحظة معرض للموت.

كيف تتم الرحلة عند الدخول الى مناطق الاكراد؟

أول حاجز عند الدخول لعفرين هو حاجز قطمة، أول حاجز من جهة اعزاز وهو تابع لوحدات الحماية، وقفت عليه آخر مرة مدة 11 يوما في انتظار السماح بالدخول الى داخل عفرين. حتى أنه يتم ايقاف المدنيين وسيارات الدواجن التي كانت تحمل صيصانا كلها ماتت، وفي اليوم الثاني عشر جاء  التجار واشتروا المازوت منا بأقل سعر يصل الى 31000، ومن وافق على بيع المازوت تم السماح له بالمرور إلى حاجز الغزاوية، وهو آخر حاجز في عفرين قبل الدخول الى دارة عزة، عندما يحتاج الأكراد المازوت يجبرون أصحاب الشاحنات على بيعهم وبأرخص الأسعار وحصراً في عفرين، مما يسبب خسارة التاجر، ويتقاضون على الحواجز 500 ليرة عن كل برميل عند الدخول والخروج، ويتحكمون بالتجار والشاحنات، فهمهم هو النقود مما يزيد من معاناة الناس والتجار.

ماهي آلية التوزيع والبيع والتخزين في مناطق المعارضة؟ وهل تتحكم الفصائل بالتجار؟

البيع في مناطق المعارضة يكون بشكل حر، فالسائق له كامل الحرية أن يبيع الى محطات الوقود أو البسطات والمحلات الصغيرة، وهناك تجار ومحطات تشتري لتبيع أو تشتري لتخزن وعند الأزمة وارتفاع الاسعار يقومون برفع السعر والاحتكار. أما الفصائل في مناطق المعارضة فلا تتدخل بعملية البيع؛ فالتاجر هو حر برزقه.

ماهو المقابل الذي يطلبه التنظيم مقابل إدخال المحروقات للمعارضة؟

عندما كان الطريق مباشرا بين الجيش الحر والتنظيم دون تدخل الاكراد، كان هناك اتفاق على إدخال الوقود مقابل الغذاء من مناطق المعارضة، وعند قطع الطريق من أي طرف يتم قطعه من الطرف الاخر.

عند وجود ازمة وانقطاع الطرق لمن تكون الأولوية في توزيع المحروقات؟ وماهي الإجراءات المتبعة؟

الآولوية بالنسبة لي كتاجر هي للمرافق الانسانية من مشافي ومرافق صحية ومضخات المياه ومجالس محلية، عند اشتداد الازمة يلجأ بعض الناس الى حرق الزيوت المستخدمة في السيارات لإستخراج الوقود، وفي الازمة الاخيرة  قمت بجمع ما يتوفر من زيت السيارات عند محلات تصليح السيارات (الميكانيكي) وحرقته لاستخراج المازوت، وبعته لأحد المشافي ولكن هذا خطر جدا ويسبب امراضا، وحتى أنا الآن أعاني من سعال شديد، ولكننا مضطرين حتى لا تتوقف مفاصل الحياة.

 

ترجمة: فاطمة عاشور

شارك هذا المقال