9 دقائق قراءة

في ذكرى الثورة العاشرة: كيف غُيب الجيش السوري الحر؟

إن "الأطراف الخارجية كانت قادرة على حسم المعركة، لكنها لم ترد ذلك، بل تركت الفصائل عرضة للابتزاز وللكثير من المساومات الإقليمية والدولية التي أوصلتها إلى ما وصلت إليه"، بحسب وائل علوان.


17 مارس 2021

عمّان- “والله ما عندي وقت. اعذرني. أخرج للعمل من السابعة صباحاً وحتى العاشرة ليلاً”. كانت هذه هي الرسالة التي تلقاها “سوريا على طول” من أحد الضباط المنشقين عن القوات الحكومية السورية، والذي عمل لسنوات قيادياً عسكرياً في أحد فصائل المعارضة بمحافظة إدلب قبل أن يغادرها إلى تركيا نتيجة ملاحقة “هيئة تحرير الشام” له، كما أوضح.

وأضاف: “أعتذر أن يكون هكذا ردي، لكن أنا أعمل أجيراً في بقالة لأجل إطعام أولادي. كنت أتمنى أن يكون لدي وقت”. مختتماً رده المختصر بالقول: “يمكن أن يكون ردي هذا هو ملخص لما كان [ثم] أصبح عليه الجيش الحر”.

مبادرات محلية مبعثرة

بعد أشهر من التظاهر السلمي الذي قابله نظام الأسد بالرصاص الحي والاعتقالات واجتياح المدن والبلدات الثائرة، بدأت تظهر مجموعات صغيرة من الأهالي الذين حملوا الأسلحة الخفيفة، من قبيل أسلحة الصيد والبنادق والمسدسات وحتى الأسلحة البيضاء، لحماية التظاهرات والمناطق الثائرة وردع القوات الحكومية والأمنية والشبيحة عن مهاجمتها.

في الوقت ذاته، كان النظام السوري “يحاول جر الثورة” التي اشتعلت شرارتها في محافظة درعا جنوب البلاد في 18 آذار/مارس 2011 “إلى التسليح، لأجل القضاء عليها”، كما قال العقيد المنشق عبد الجبار العكيدي، “فالخيار العسكري لم يكن خيار الشعب السوري”. 

وهو ما ظهر جلياً في خطاب بشار الأسد الأول بعد اندلاع الاحتجاجات في درعا، إذ بدأ “كيل الاتهامات للثورة من خلال الحديث عن الإرهاب والجهاديين وتنظيم القاعدة”، كما لفت العكيدي في حديثه لـ”سوريا على طول”. و”قال لو أردتموها حرباً فنحن جاهزون لها”. 

وإضافة إلى عمليات القتل واستهداف المتظاهرين بشكل يومي منذ البدايات الأولى للثورة، “تعمد النظام نشر تسجيلات الاغتصاب وخاصة في درعا وحمص، حتى يثير حمية الناس ويدفعهم لحمل السلاح بغية الدفاع عن عرضهم وشرفهم وعن التظاهرات”، بحسب العكيدي.

تالياً، شكل انشقاق المقدم حسين هرموش عن الجيش في 9 حزيران/ يونيو 2011، كأول ضابط وقائد عسكري يعلن هذا الموقف، نقطة مفصلية في مسيرة الحراك العسكري للثورة. فعقب انتقاله إلى تركيا، أسس هرموش، في تموز/ يوليو 2011،  لواء الضباط الأحرار، أول جسم عسكري معارض، ونواة الجيش السوري الحر.

لكن هذه التجربة في ما يعرف بـ”مملكة الصمت”، لم تكن منظمة بشكل منضبط. وبحسب العقيد العكيدي، “بقي الحراك العسكري منذ مطلع الثورة وحتى منتصف العام 2012 عشوائياً وغير منظم ومناطقياً؛ ضمن القرية أو البلدة الواحدة، على شكل مجموعات أو كتائب صغيرة إلى حين بداية ظهور المجالس العسكرية في كل محافظة”.

وبرأي وائل علوان، الباحث حالياً في مركز جسور للدراسات بتركيا، وكان سابقاً الناطق باسم فيلق الرحمن، أحد فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، فإن “حالة الفوضى تلك واللاتنظيم والمجموعات المتفرقة والمتبعثرة كانت عاملاً إيجابياً ساهم في حماية الكثير من هذه المجموعات وأفرادها”. معللاً ذلك في حديثه لـ”سوريا على طول”، بأنه عند وقوع “شخص بالأسر والاعتقال لدى النظام، سيعرف الأخير بشكل محدود عن أماكن تنقل مجموعة الشخص الأسير ومكان تواجدها وطريقة عملها”.

لاحقاً، بعد تشكيل “القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية في سوريا”، في أيلول/سبتمبر 2012، “بدأ العمل العسكري ينتظم بشكل أكبر، وأصبحت الانشقاقات تزيد وتكثر في كل المناطق. وبدأ الجيش [التابع للأسد] يتهلهل ولم يعد ذو جاهزية، وحُررت الكثير من الثكنات واغتُنمت أسلحة كثيرة بما فيها أسلحة ثقيلة”، وفقاً للعكيدي.

زيادة الانشقاقات في صفوف الجيش الحكومي خصوصاً، كانت سبباً في “تسارع تشكيل الفصائل، لكون العناصر المنشقين أعلنوا أنهم لن يتركوا فقط العمل المسلح مع النظام اعتراضاً على تصرفاته، وإنما سيدافعون عن التظاهرات ويحمونها بالسلاح”، بحسب علوان، ما “خلق توازناً إلى حد ما، بمعنى أن النظام لم يعد بأجهزته الأمنية وقطع الجيش قادراً على الدخول لأي مدينة في أي وقت يشاء والتنكيل بأهلها”. إذ أصبحت “قوات الأسد تحسب حساب هذه المجموعات المسلحة التي أصبحت قادرة، بفعل انضمام المتطوعين لها وتلقيها الدعم واندماجها فيما بينها، على الانتقال من حالة الفسيفسائية والفوضى إلى حالة أكثر تنظيماً”، وفق علوان.

أزمة المعتقلين-المقاتلين الإسلاميين

تزامن نمو الجيش الحر مع “إخراج نظام الأسد الإسلاميين في معتقلاته، والذين كان نسبة كبيرة منهم بحاجة إلى فترة طويلة جداً من التعافي” برأي علوان، من “الضغط النفسي والكبت والتعذيب الذي تعرضوا له من قبل نظام الأسد”.

إذ “ساعد النظام بعض [السجناء الإسلاميين] على أن يزداد في مستوى التشدد والحقد والكراهية على المحيط وعلى كل شيء، نتيجة الضغط والتعذيب”، أضاف علوان، و”كان النظام يعلم أن إطلاق سراح هؤلاء سيؤسلم الثورة ليس الأسلمة العادية الطبيعية، وإنما أسلمة التطرف الشديد والإرهاب، ما أثر سلباً على الفصائل وحركتها بشكل عام”.

ونتيجة حالة “التعاطف العام مع التدين في بلاد الشام، انخدع الكثير من الشباب المتحمس الثائر بنداءات وشعارات هؤلاء المتشددين الذين أخرجوا من السجون”، وفق علوان، ما تسبب في “إضعاف دور الضباط المنشقين والنخب السياسية والفكرية والثقافية في مقابل ازدياد التفاف الشباب حول هؤلاء الإسلاميين أو المتشددين الذين خرجوا من السجون”. 

كذلك، بدأت الفصائل المتشددة تنمو بشكل أكبر على حساب الجيش الحر “نتيجة تلقيها دعماً كبيراً مقارنة بفصائل [الحر] التي كانت عرضة للنهب والسطو من الفصائل الإسلامية في وقت من الأوقات”، وفق علوان. ولتكون النتيجة أن “ظروفاً داخلية وخارجية تهيأت كي تكبر [الفصائل الإسلامية] وتصبح مرضاً سرطانياً يلتهم شيئا فشيئا فصائل الجيش الحر في كثير من المناطق”.

وهو أيضاً ما أكده العكيدي، مشبهاً “التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود” بـالخنجر المسموم الذي زرع في صدر الثورة”، مشيراً إلى إعلان تنظيم “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام حالياً) تبعيته لتنظيم القاعدة في نيسان/أبريل 2012، بعد مبايعة زعيم الجبهة أبو محمد الجولاني لزعيم “القاعدة” أيمن الظواهري.

إذ شكلت هذه الحادثة “ضربة قوية للثورة السورية وكان تأثيرها كبير جداً”، بحسب العكيدي، كون هذا تزامن مع مباحثات دولية لدعم الجيش الحر وتزويده بأسلحة نوعية. و”برأيي لم تكن صدفة أن يتزامن إعلان الجولاني مع هذا المؤتمر، لاسيما وأن الدعم توقف على إثر هذا الإعلان”.

أواخر العام 2013 شكل توغل تنظيم الدولة (داعش) في أجزاء كبيرة من مناطق سيطرة الجيش الحر، وتصفية قادة وعناصر للأخير، بينهم ضباط منشقون، نقطة مفصلية أخرى في تاريخ الثورة، لاسيما على صعيد العمليات العسكرية للجيش الحر.

إذ تسبب ذلك بحسب العكيدي في “تراجع الثوار من مواجهة النظام إلى الخلف لأجل حماية قراهم من “داعش”، والبدء بوقف زحف التنظيم على المزيد من المناطق المحررة”.

وفي محافظة درعا جنوب سوريا، شكل اختطاف “جبهة النصرة” في أيار/ مايو 2014، قائد المجلس العسكري في درعا التابع للمعارضة، العقيد أحمد النعمة، محطة مفصلية في مسيرة فصائل الجيش الحر في المحافظة، بحسب مسؤول عسكري سابق في فصائل المعارضة هناك.

وقال المصدر لـ”سوريا على طول” شريطة عدم كشف هويته كونه ما يزال يقيم في درعا، إن “اختطاف النعمة وتغييبه أدى شيئاً فشيئاً إلى حرف بعض فصائل الجيش الحر في درعا”. إذ كان النعمة، كما أوضح المصدر، “يقود المجلس العسكري ويتلقى الدعم ويجتمع بأصدقاء سوريا وحده. وباختطافه أصبح لكل فصيل في المحافظة ممثل خارجي يتلقى التمويل ويجتمع بالداعمين، ما تسبب في انحراف بوصلة البعض وشراء ذممهم”.

واعتبر المصدر أن هذه الحادثة أيضاً “لم تكن عفوية أو غير مدبرة خارجياً. فبعض الجهات الداعمة كانت تريد الخلاص من عملية التفاوض مع شخص، والانتقال لمرحلة التنسيق المباشر مع الفصائل على الأرض”.

عوامل تقهقر ذاتية

لعبت ما سماه علوان “العوامل الذاتية” دوراً رئيساً في انحسار دور الفصائل وتراجعها وخسائرها. وهي عوامل يمكن إجمالها في “عدم وجود أو عدم تقديم الكفاءات، والصراعات والنزاعات والخلافات الداخلية، التي كانت الفصائل الإسلامية المبادر الرئيس إليها”، برأيه، “بحكم طبيعة هذه الفصائل”، لاسيما “الفصائل الجهادية” التي تتميز “بسرعة التشظي والانقسام والتكفير [بحيث] لم يعد هناك مجال للاحتكام للنقاشات والحوارات، وإنما أصبح كل فصيل يتقوى بسلاحه”.

فوق ذلك كان لدى “جبهة النصرة مشروع -بغض النظر عن مضمونه- وناورت وحاولت تحقيق ما تريد، ولذا هي اليوم ما تزال موجودة”، بحسب عبد الباقي حمدان (اسم مستعار)، قيادي سابق في حركة نور الدين الزنكي، أحد فصائل المعارضة سابقاً في الشمال السوري، بينما “غياب المشروع لدى بعض فصائل الجيش الحر تسبب بغيابها”. إذ جمعت فصائل الجيش الحر الثورة، كما أضاف لـ”سوريا على طول”، و”هو إطار عام فقط، بحيث لم تكن هناك بنية موحدة ولا حالة تنظيمية، ولا إدارة إدراك المخاطر والتحديات والالتزامات، فمثلاً تسقط منطقة ما بيد النظام، فلا تكترث بقية الفصائل، بل تقول نحن بخير”.

يدعم هذا الرأي التنافر بين الفصائل بعد أي اندماج أو تشكيل غرفة عمليات. لكن العقيد العكيدي رأى في هذه الحالة أمراً “طبيعياً وضمن المخاض والتجربة العسكرية الجديدة التي نخوضها لأول مرة”. موضحاً أن “الاندماجات والتشكيلات كانت تتم لأجل الدعم، ومع غيابه تنتقل هذه الفصائل للاندماج مع مجموعة أخرى تملك هذا الدعم. كما إن نزعة السلطة عند بعض القادة كانت سبباً في ظهور تشكيلات جديدة”.

مع ذلك، فإن استمرار وصول الدعم “لفصائل بعينها” أثر سلباً على خطوة “تشكيل قيادة أركان لفصائل المعارضة، وكذلك وزارة دفاع تتبع لحكومة مؤقتة”، بحسب العكيدي، إذ “لا يمكن أن يكون لك سلطة على هذه الفصائل، خاصة مع عدم وجود تنظيم وانضباط عسكري حقيقي، طالما التمويل لا يمر من خلالك”.

فاقم الوضع عدم إعطاء الضباط المنشقين عن النظام دوراً حقيقياً في عمل فصائل الجيش الحر بل “كانوا مأمورين وآمرهم إما الشيخ في التنظيمات الإسلامية الذي لا يفقه شيئاً في العلوم العسكرية، أو أصحاب مهن أخرى ومهندسين وأطباء ومعلمين في الفصائل الأخرى”، بحسب علوان، بحيث “يجد الضابط نفسه مضطراً لتنفيذ أوامر غير مهنية، أوامر كارثية من أشخاص غير مختصين. فبدأ شيئاً فشيئا يبتعد وينسحب”. 

كما “أدت معاملة الإسلاميين للضباط المنشقين على أنهم تربية البعث والنظام إلى حساسية مفرطة لدى الضباط المنشقين، ما ساهم بشكل كبير في عزوف الضباط المنشقين عن أن يكون لهم دور في قيادة الفصائل، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي شديد على أداء الفصائل ومعاركها وقيادتها للمناطق المحررة”.

دعم أم تضليل خارجي؟

قبل تسع سنوات، خاضت كتيبة نور الدين الزنكي معركة عسكرية أفضت إلى سيطرتها على إحدى بلدات ريف حلب الغربي، مستخدمة أربع بنادق ورشاشاً من عيار 12.5 ملم فقط، كما روى القيادي في الكتيبة آنذاك عبد الباقي حمدان. 

في المقابل، عندما تحولت فصائل المعارضة عموماً إلى فصائل تملك الأسلحة الثقيلة والعتاد، فإنها لم تستطع تحقيق ما حققته خلال السنوات الأولى من عمر الثورة.

وبرأي علوان، فإن “تحول فصائل المعارضة إلى هذا الشكل الفاقد للقرار أمر طبيعي ومتوقع في مسيرة الثورات التي يقف فيها الجيش أو القوات العسكرية مع النظام المستبد أو الحكومة الدكتاتورية ضد الثورة أو ضد التمرد الشعبي”.

إذ نتيجة كون حالة الانشقاق التي حصلت في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية “ضعيفة جداً” فيما لو قيست بمن بقي مع النظام، فقد أصبح لزاماً أن “تتحول المواجهات المسلحة إلى شبه حرب صفرية تكثر فيها الضحايا، وربما تصل إلى نتيجة لا غالب ولا مغلوب، وفي حالات كثيرة جدا تخرج الجهتان منهزمتان من المعركة؛ أي لا يصل أحد إلى مبتغاه”، وفق علوان. مرجعاً ذلك إلى أن “القوى الإقليمية والدولية سرعان ما يتاح لها أن تتدخل بشكل واسع في مثل هذه الحالات”. وفي الحالة السورية “أصبح جميع الأطراف رهن التدخلات الخارجية ورهن الحاجة إلى مقومات الاستمرار ومقومات البقاء في مواجهة الأطراف الأخرى”.

“توقف الدعم الدولي للجيش الحر في العام 2016 تقريباً، وحتى ما قبل ذلك كان هذا الدعم خجولاً، ولأجل أن تبقى الثورة مستمرة وليس لتنتصر”، بحسب العكيدي. مرجعاً ذلك إلى “غياب ثقة المجتمع الدولي بفصائل الجيش الحر والخشية من سيطرة الإسلاميين والفصائل الجهادية”.

هذا الرأي اتفق معه علوان، معتبراً أن “الأطراف الخارجية كانت قادرة على حسم المعركة، لكنها لم ترد ذلك، بل تركت الفصائل عرضة للابتزاز وللكثير من المساومات الإقليمية والدولية التي أوصلتها إلى ما وصلت إليه”. يضاف إلى ذلك “تقديم بعض الدول الأموال والدعم لفصائل بلحى وعمائم لدعم توجهات محددة جهادية”، ما يشمل “تضليلاً للثورة وليس دعماً لها”، وفق علوان. 

في المقابل، تدخل حلفاء النظام الإيرانيون والروس بكل ثقلهم لأجل دعم النظام ومنعه من الانهيار. إذ إن “الدعم الروسي الواسع الكبير الذي لم يكن في مقابله دعم مواز للثوار”، وفق علوان، والذي تعمق مع “التوجه الأميركي لدعم جهات أخرى مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي أصبحت طرفاً ثالثاً مناوئاً للطرفين الآخرين [الجيش الحر والنظام]”. معتبراً علوان أن هذا مثل “التحول المفصلي الذي جعل اللاعبين المحليين عاجزين عن الاستمرار بمفردهم أو بقدراتهم الذاتية، وجعلهم شيئا فشيئا يفقدون حتى هامش اتخاذ القرار الداخلي”.

هل انتهى الجيش الحر؟

“الجيش الحر” لم يكن مسمى، بحسب القيادي حمدان، بل “ارتبط بأمور عدة، حينما بدأ فقدها بدأنا نفقد الجيش الحر”. إذ ارتبط مسمى “الجيش الحر بالتحرير وحالة الأمن والاستقرار التي عاشها الناس في فترة سيطرته”، كما ارتبط بـ”المجتمع نفسه؛ إذ كان ابن هذا المجتمع [السوري]، وحينها كان من غير الممكن أن نشاهد عنصراً يسيء بسلاحه للمدنيين وأهل قريته. لكن حينما غاب كل ذلك، وعجز الجيش الحر عن تحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه بالتوحد وأن يكون جيش منظماً بدأ يتآكل”.

لاحقاً أيضاً، وبالتوازي مع الحالة المأساوية للسوريين في المخيمات، بدأت تبرز مظاهر البذخ على بعض قادة التشكيلات العسكرية، وأصبح هناك “فجوة بين المجتمع وقادة الفصائل”، وفق حمدان. مضيفاً أن السوريين كانوا ينتظرون أن يظهر الجيش الوطني، الذي يفترض أن يكون استمراراً للجيش الحر بشكل موحد، “بطريقة مختلفة وبأطر وضوابط غير ما نراه اليوم. إذ حتى كمؤسسة فإن المجتمع لا يتمسك به اليوم، لأنه يريد من الجيش الوطني أن يحترمه ويعيد تنظيم نفسه ويحمي الناس من المفخخات، لكن هو غير قادر على ذلك، ولولا الأتراك لوصل الروس إلى الحدود. لذا فشرعية وجود الجيش الحر اختفت وهنا اختفى الجيش الحر”.

في الاتجاه ذاته، ذهب علوان إلى أن “الجيش الحر أصبح اسماً لا تعريف له عندما ادعت الفصائل الإسلامية والراديكالية منها أنها جزء من [هذا] الجيش”. إذ إن “الجيش الحر بتعريفه”، كما أضاف علوان، هو “مجموعات من الضباط والعناصر المنشقة، والتي انضم إليها تالياً مدنيون متطوعون لحماية الثورة وحماية المناطق الثائرة”، لكن “عندما أصبح هذا الاسم عاماً وبطاقة يستطيع أياً كان أن يحملها ويدعيها، لم يعد لهذا الاسم معنى في الثورة السورية وبدأ يختفي إلى أن زال”.

في المقابل، شدد العكيدي أن “قسماً كبيراً من فصائل [الجيش الوطني] يمثل الجيش الحر”. إذ رغم وجود “من انحرف في اتجاهات مختلفة وأصبح أداة بيد الآخرين، وفصائل هي عبارة عن مرتزقة، لكن النسبة الأكبر من الفصائل الموجودة اليوم هي امتداد للجيش الحر”.

شارك هذا المقال