11 دقائق قراءة

ناجون من مركب “بيلوس” يروون كيف أغرقت السلطات اليونانية قاربهم

كان حوالي 150 سورياً من أصل 750 شخصاً على متن القارب الذي انقلب قبالة السواحل اليونانية، في 14 حزيران/ تموز الحالي. نجا 104 أشخاص، بينهم 30 إلى 40 سورياً. حمّل الناجون حرس السواحل اليوناني مسؤولية إغراق القارب وتأخير جهود الإنقاذ.


19 يونيو 2023

باريس، مالاكاسا- بعد أربعة أيام على نجاتهم من الغرق في حادثة “قارب بيلوس”، رد ثلاثة سوريين ناجين على رواية السلطات اليونانية حول انقلاب قارب الصيد، في 14 حزيران/ يونيو، التي كانت تقل 750 شخصاً، ما أدى إلى غرقها قبالة السواحل اليونانية.

نجا 104 أشخاص، وانتُشلت 80 جثة، وما يزال أكثر من 550 شخصاً مفقوداً، في أعماق كاليبسوديب (5000 متر)، وهي واحدة من أعمق نقاط البحر الأبيض المتوسط، في واحدة من أكبر حوادث الغرق في هذا البحر، منذ نيسان/ أبريل 2015.

في صبيحة يوم السبت الماضي، بلغ عدد الناجين الواصلين إلى مركز استقبال مالاكاسا، شمال أثينا، 71 شخص من أصل 104. حاولت سلطات المخيم والشرطة مراراً وتكراراً منع مراسلة “سوريا على طول” من التحدث إلى الناجين عبر السياج الشائك، كما أنها منعت الناجين من الخروج من المخيم للتحدث إلى الصحافة. 

“ربط خفر السواحل اليوناني قاربنا، وسحبه بسرعة كبيرة إلى اليمين، ثم اليسار، ثم اليمين مرة أخرى، فانقلب القارب وسقط الجميع في الماء”، قال محمد، شاب سوري في العشرينات من عمره، طالباً من “سوريا على طول”، عدم الكشف عن هويته، متهماً خفر السواحل بأنهم “أفلتوا الحبل، ثم أبحروا بعيداً، وأشعلوا الأضواء باتجاهنا مكتفين بالمراقبة لمدة ساعتين”، وهو ما أكده ناجيان آخران لـ”سوريا على طول”.

“بعد ساعتين وصلت قوارب صغيرة للإنقاذ”، بحسب محمد.

تتعارض شهادات الناجين مع رواية خفر السواحل اليوناني، التي تقول أنهم ربطوا حبلاً بالقارب قبل حطامه بثلاث ساعات، ولم يكن القصد سحبه، إنما الاقتراب ومعرفة ما إذا كانوا يريدون المساعدة. هذه الاتهامات سلطت الضوء أكثر على السلطات اليونانية، التي تملك سجلاً سابقاً في سحب سفن المهاجرين من مياهها الإقليمية إلى المياه الدولية، ضمن ما يعرف باسم “عمليات الدفع”.

ووفقاً لمنظمة “تقرير قارب بحر إيجه”، وهي منظمة نرويجية غير حكومية، تدافع عن اللاجئين وتشارك بيانات الهجرة مع منظمات الإغاثة، أبعدت اليونان 48983 شخصاً بين عامي 2017 و2022 من الجزر اليونانية إلى المياه التركية.

وقالت السلطات اليونانية، أن القارب كان في “مسار وسرعة ثابتة”، وأنه لم يطلب المساعدة قبل غرقه، إلا أن تحقيقاً صحفياً لـ”بي بي سي”، تتبع بيانات القارب، كشف أن القارب لم يتحرك لمدة سبع ساعات على الأقل قبل أن ينقلب.

أرجع خفر السواحل اليوناني عدم تحركهم لإنقاذ القارب قبل انقلابه إلى رفض الأشخاص الذين كانوا على متنه للمساعدة.

تعليقاً على ذلك، اعتبرت جوديث سندرلاند، المديرة المساعدة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى، في منظمة هيومن رايتس ووتش أن “هذه الحجة غير مقبولة من الناحية القانونية والأخلاقية”، مشيرة لـ”سوريا على طول” إلى أن “القارب كان يعاني من مشكلة، ولم يكن صالحاً للإبحار، ومزدحماً”، وأكدت أن من كان على متنه “أطلقوا بالفعل نداءات استغاثة إلى هاتف الإنذار”، والاستجابة الفورية لهم “التزام أخلاقي وأساسي لجميع السفن في المنطقة بما في ذلك خفر السواحل”.

وأضافت سندرلاند: “حتى إذا رفض بعض الأشخاص على متن القارب مساعدة خفر السواحل، فإن ذلك لا يعفي خفر السواحل اليوناني من مسؤوليتهم في تأمين القارب على الفور والحفاظ على حياة الأشخاص الموجودين على متنه”. 

وبالنظر إلى تاريخ خفر السواحل اليوناني “في سوء سلوكه، وتورطه الموثق في عمليات صدّ قوارب المهاجرين سابقاً، لدينا سبب للتشكيك في روايتهم”، قالت سندرلاند. مشددة على ضرورة “إجراء تحقيق كامل وموثوق به، قد يتطلب مشاركة دولية، ويجب أن يكون التحقيق جنائياً يؤدي إلى لمساءلة وليس معرفة حقيقة ما حدث فقط”، مطالبة بأن ينتهي التحقيق إلى “المساءلة الكاملة للمسؤولين وفق التسلسل الإداري”.

وبدوره، دعا مبعوث مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لمنطقة غرب ووسط المتوسط، فنسنت كوشتيل، إلى إجراء تحقيق مستقل بشأن بعض الشهادات، التي تشير إلى دور خفر السواحل اليوناني بإبعاد القارب عن منطقة البحث والإنقاذ اليونانية، ودفعه للإبحار باتجاه دولة أخرى.

في السياق ذاته، نفت السلطات اليونانية وجود لقطات مصورة لعملية الإنقاذ، عازية ذلك إلى أن الكاميرات لم تكن تعمل.

رداً على ذلك، قالت منظمة “تقرير قارب بحر إيجه”: “لا يسعنا إلا التكهن بسبب إيقاف تشغيل هذه الكاميرات… سفن خفر السواحل اليونانية متورطة باستمرار في عمليات إعادة اللاجئين قسراً”. مضيفة “نادراً ما يتم تشغيل هذه الكاميرات لتجنب تصوير جرائمهم”.

على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، كان لدى عائلة ثائر خالد الرحال، أحد الأشخاص المفقودين في حادثة اليونان، أمل صغير بنجاته، قبل أن يُعلن اليوم الإثنين عن وفاة الشاب الذي تعيش زوجته وأطفاله الأربعة في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، وينحدر من مدينة إنخل شمال درعا.

الرحال واحد من أصل 150 سورياً كانوا على متن قارب بيلوس، غالبيتهم من محافظة درعا. إذ وثق مكتب توثيق الانتهاكات في “تجمع أحرار حوران”، مؤسسة إعلامية محلية معارضة، اسم 112 شخصاً من أبناء محافظتي درعا والقنيطرة على متن القارب، لقي 22 منهم حتفهم، ونجا 35 منهم، بينما بقي 55 شخصاً في عداد المفقودين.

مالاسكا: كالسجن!

تجمع عدد من أقارب المفقودين وأصدقائهم عند باب مركز مالاكاسا، صباح السبت، يفصلهم سياج عن الناجين داخله، حيث كان عدد قليل من الناجين يحدقون في صور الهواتف المحمولة، التي يعرضها ذوو وأصدقاء المفقودين ويسأل كل منهم: “هل هو على قيد الحياة؟”.

يعتقد خمسة سوريين ناجين، تحدثوا لـ”سوريا على طول” أن حوالي 150 سورياً كانوا على متن القارب، معظمهم من درعا، ولكن أيضاً هناك من حمص وحلب ودمشق والسويداء، و35 شخصاً من كوباني، من بين العدد الإجمالي 30 إلى 40 ناجٍ فقط.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الهجرة اليونانية لـ”سوريا على طول”، إن جميع الناجين الـ71 في مالاكاسا من الرجال، بينما نُقل خمسة ناجين قاصرين إلى مخيمات أخرى، وما يزال ثلاثة قاصرين في المستشفى.

مخيم مالاكاسا شمال أثينا، حيث كان يقيم 17 شخصاً من الناجين من حطام قارب بيلوس يوم السبت، 17/ 06/ 2023 (أليثيا مدينة/ سوريا على طول).

وتحتجز السلطات اليونانية تسعة ناجين يحملون الجنسية المصرية، للاشتباه أنهم من تجار البشر، كما ذكرت المتحدثة.

“أريد فقط مغادرة هذا المركز والذهاب إلى ألمانيا”، قال محمد سبلة، 24 عاماً، أحد الناجين، واصفاً المخيم بـ”السجن”، لأن إدارته لا تسمح لهم بالمغادرة، كما أوضح لـ”سوريا على طول”. انتهت المقابلة الصحفية معه عندما أمره أحد موظفي المخيم بالابتعاد عن السياج.

فرّ الشاب الذي ينحدر من حلب، من سوريا إلى لبنان ثم إلى ليبيا، على أمل أن يجتمع مع أخيه وأخته في ألمانيا. وعلى متن القارب، شاهد أربع نساء وثلاثة أطفال، وعدداً من المراهقين غير المصحوبين بذويهم.

من جانبه، قال أمجد، 27 عاماً، وهو أحد الناجين من مدينة حمص، أن القارب كان يحمل مصريين وسوريين وباكستانيين. 

وعبر سور مخيم مالاكاسا، اشتكى أمجد لـ”سوريا على طول” من عدم وجود هواتف محمولة للتواصل مع أقاربهم، وهي ذات الشكوى لناج سوري آخر، طلب من “سوريا على طول” عدم ذكر اسمه، قائلاً: “تمكنا من الاتصال بعائِلاتنا عبر تطبيق فيسبوك من هواتف المهاجرين الآخرين الموجودين هنا في المخيم”.

في هذا السياق، وعدت سلطات الهجرة اليونانية، بتقديم بطاقات هواتف محمولة للناجين، يوم الأحد، في إشارة ليوم أمس، ولم يتسنّ لـ”سوريا على طول” التأكد من وفائها بوعدها. 

وقالت إيفي لاتسودي، من مركز دعم اللاجئين في بحر إيجه، وهي منظمة يونانية غير حكومية: “بالأمس [الأحد] واليوم، اتصل محامون ومنظمات قانونية بالناجين”، موضحة لـ”سوريا على طول” أن مالاكاسا “مركز مغلق خاضع لسيطرة السلطات اليونانية”، ما يعني أن سلطات المخيم يمكنها التحكم في حركة الأشخاص داخل المخيم، ويمكن أن يبقى الشخص في هذا المخيم لمدة تصل إلى 25 يوماً حتى تتم معالجة طلب اللجوء الخاص به.

وأضافت لاتسودي: “لا ينبغي احتجاز هؤلاء الأشخاص، ولا يجب أن يكونوا في ظروف المخيم هذه، لأنهم ضحايا مأساة ويجب دعمهم وفق معايير إنسانية وبما تقتضي حاجتهم”، مشددة على ضرورة “توفير إمكانية وصولهم إلى الهواتف لإبلاغ أقاربهم، وعدم معاملتهم كسجناء ومنعهم من الحديث عما جرى”.

وحتى اليوم الإثنين، أي بعد ستة أيام على وقوع الكارثة، لم تقدم السلطات اليونانية عبر الخط الساخن الذي توفره قائمة نهائية بالناجين. في المقابل، نشرت السفارة المصرية أسماء الناجين المصريين، البالغ عددهم 43 شخصاً، بينما تنتظر أكثر من 100 عائلة سورية أخباراً عن مفقوديها. 

“نريد أن نعرف هل هو حي أم ميت”

ثائر الرحال، 39 عاماً، واحد من بين مئات الأشخاص المفقودين بعد حادثة غرق قارب بيلوس، في 14 حزيران/ يونيو. ينحدر من محافظة درعا، وكان من سكان مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، قبل أن يقرر المضي في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا أملاً بتأمين علاج ابنه خالد، ذو الأربعة أعوام، المصاب بسرطان الدم (الصورة بإذن من العائلة)

منذ فرارهما من درعا ووصولهما إلى مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، كافحت نرمين حسن الزامل وزوجها ثائر خالد الرحال لتخطي صعوبات الحياة. لكن قبل عام، تم تشخيص إصابة ابنهما خالد، البالغ من العمر أربعة أعوام، بسرطان الدم الحاد-طفرة جينية.

وبعد أن أبلغت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأسرة بأنها لا تستطيع تغطية التكاليف الطبية، في الرابع من تموز/ يوليو 2022، توقف علاج خالد في مستشفى الحسين للسرطان عدة مرات بشكل متقطع بسبب نقص الأموال من المتبرعين. وقالت الزامل أن المستشفى أبلغتها بأنه لا يمكنهم تغطية تكلفة زراعة نخاع العظام، التي يحتاجها خالد.

تعليقاً على ذلك، قال مشعل الفايز، مسؤول الاتصالات في مفوضية شؤون اللاجئين بالأردن أن “عدداً من الشركاء اضطروا إلى تقييد بعض خدماتهم، أو الأسوأ إيقاف بعض خدماتهم، بسبب انخفاض التمويل الذي نشهده في السنوات الأخيرة”، مضيفاً في حديثه لـ”سوريا على طول”: “هناك حاجة لمزيد من التمويل من أجل إيجاد حلول استجابة للاجئين”.

توقع الرحال أن الطريقة الوحيدة لتغطية تكاليف علاج ابنه خالد هي الوصول إلى أوروبا. جمع أصدقاؤه في ألمانيا المبلغ الذي طلبه المهرب، على أن يسده لهم في وقت لاحق من وصوله. سافر الشاب، البالغ 39 عاماً، قبل شهرين إلى الإسكندرية في مصر وعبر منها إلى ليبيا.

في الثامن من حزيران/ يونيو، الساعة 6:30 مساءً، اتصل ثائر بزوجته من طبرق الليبية وأخبرها أن “هناك الكثير من الناس على متن القارب، لا أعرف إذا كان المهرب سيسمح لي بالصعود إلى القارب، لكنني سأجهز نفسي للسفر”، بحسب نرمين.

أضافت نرمين بحرقة: “هذه آخر مكالمة له”، مؤكدة أن “السبب الوحيد لصعوده على متن القارب هو تأمين علاج ابننا”.

في اليوم ذاته، سمعت عائلة الدنيفات صوت سفيان، البالغ من العمر 17 عاماً، آخر مرة. فر سفيان، العام الماضي، من مدينة جاسم، بريف درعا الشمالي، إلى ليبيا، لتجنب التجنيد الإجباري في جيش النظام السوري.

قال عمه محمد من مكان إقامته في الأردن لـ”سوريا على طول”: “الحياة في سوريا لا تطاق، لا عمل ولا استقرار ولا أمان”.  وأضاف: “كان خائفاً عندما أخبرني أنهم سوف يسافرون يوم الجمعة. لم يكن يعرف شيئاً عن القارب أو أعداد الذين سوف يصعدون على متنه وتفاصيل الرحلة”.

سفيان الدنيفات، 17 عاماً، من محافظة درعا، واحد من مئات الأشخاص المفقودين بعد حادثة غرق قارب بيلوس في 14 حزيران/ يونيو. غادر سوريا عام 2022 هرباً من الخدمة العسكرية الإلزامية في قوات النظام (الصورة بإذن من عائلته)

“حتى الآن لا توجد أخبار عن مصيره، أين هو؟ هل هو حي أم ميت؟، نريد أن نعرف”، بحسب محمد، لافتاً إلى أن ذنب ابن أخيه الوحيد أنه “أراد أن يعيش حياة طبيعية مثل أي إنسان آخر”.

 

البحر الأبيض المتوسط، هو أخطر طريق هجرة في العالم، كما وصفه فيديريكو سودا، مدير إدارة الطوارئ في منظمة الهجرة الدولية، قائلاً: “مازال هذا الطريق عاماً بعد عام هو أخطر طريق للهجرة في العالم، مسجلاً أعلى معدل وفيات”.

وأضاف سودا: “يتعين على الدول أن تتعاون لمعالجة الثغرات في عمليات البحث والإنقاذ وتأمين الإنزال السريع والممرات المنتظمة الآمنة قبل وقوع الكارثة”.

 

يمكن تفسير معدل الوفيات في طريق البحر المتوسط، وفقاً لعدة عوامل، من بينها “محاولات الاتحاد الأوروبي تقليل عدد الوافدين إلى شواطئه”، بحسب سندرلاند. مشيرة إلى أن وكالة الحدود وخفر السواحل الأوروبية (فرونتكس)، سحبت كل السفن التي يمكن استخدامها للبحث والإنقاذ من البحر الأبيض المتوسط، وبدلاً من ذلك “صارت فرونتكس تركز على المراقبة الجوية للبحر الأبيض المتوسط”.

في نيسان/ أبريل 2022، استقال رئيس فرونتكس بعد تحقيق في مكافحة الاحتيال وتقارير من منظمات إعلامية توثق انتهاكات حقوق الإنسان وعمليات الصد، التي قامت بها الوكالة.

وفي 8 حزيران/ يونيو الحالي، أي اليوم ذاته الذي غادر فيه ثائر الرحال وسفيان الدنيفات من ليبيا مع مئات الأشخاص في رحلتهم المشؤومة إلى إيطاليا، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق جديد بشأن إصلاح قانون اللجوء والهجرة.

وحذرت هيومن رايتس ووتش من أن هذه الصفقة الأوروبية قد تؤدي إلى مزيد من الانتهاكات على حدود أوروبا ضد طالبي اللجوء، الذين دخلوا بشكل غير نظامي أو تم إنقاذهم من البحر، نظراً لـ”معالجة طلبات لجوئهم بشكل مستعجل”، وهي النقطة التي أشار إليها الاتفاق الأوروبي الجديد، ما  يعني أن “الإجراءات قد تكون دون المستوى المطلوب، وبضمانات أقل”.

في السياق ذاته، انتقدت سندرلاند زعماء الاتحاد الأوروبي لـ”تفويض دول مثل ليبيا للقيام بمهام قذرة في محاولة منع القوارب من الوصول إلى أوروبا”. بموجب مذكرة تفاهم مع إيطاليا، جرى توقيعها عام 2017، تساعد إيطاليا خفر السواحل الليبية في إيقاف قوارب المهاجرين وإعادتهم إلى مراكز الاحتجاز في ليبيا، وهناك يواجه الكثير منهم الابتزاز والانتهاكات.

على ذات الطريق!

في صبيحة 17 حزيران/ يونيو الحالي، ذهب أبو عبد الحميد، 29 عاماً، إلى أحد المهربين في مدينته جاسم، بريف درعا الشمالي، يطلب أن يمهله في سداد النصف الثاني من المبلغ المتفق عليه لإخراجه من درعا إلى أوروبا عبر ليبيا.

قبل أربعة أشهر تعرض الشاب العشريني، الذي كان عنصراً سابقاً في فصائل المعارضة جنوب سوريا، لمحاولة اغتيال على يد مجهولين، وهي المحاولة الثانية التي ينجو منها. ومنذ ذلك الوقت، يحاول الشاب تأمين سبعة آلاف دولار لأجل مغادرة البلاد، استلف نصف المبلغ ويبحث عن طريقة لتأمين باقي المبلغ.

قال أبو عبد الحميد لـ”سوريا على طول”: “أجريت تسوية قبل ثلاثة أسابيع. أخبروني أنها الأخيرة، وبعدها يجب أن ألتحق بالخدمة العسكرية”. بقي أمامه خمسة أشهر “إما أن أتمكن من السفر، أو سأضطر للذهاب إلى الجيش ويكون مصيري قاتلاً أو مقتولاً، أو أن أبقى في بيتي أنتظر الموت بعملية اغتيال”.

وفي الوقت الذي كان أبو عبد الحميد يفاوض المهرب، دفع شاب آخر من مدينته المال للمهرب نفسه من أجل السفر في رحلة مشابهة، بينما ينتظر آخرون من إنخل في ليبيا قارباً ينقلهم إلى أوروبا، كما قال.

خلال الأسابيع الماضية، أجرى النظام تسويات جديدة لشباب درعا، يُمنح بموجبها المتخلفون عن الخدمة العسكرية الإلزامية مدة 6 أشهر، والمنشقون مدة شهر واحد، مع إمكانية الحصول على جواز سفر وإذن سفر للراغبين بمغادرة البلاد.

يصر أبو عبد الحميد على السعي وراء هدفه في الوصول إلى أوروبا “رغم ما رأينا ما حلّ بالقارب”، عازياً ذلك إلى “ما وصلنا إليه من يأس، وسوء الوضع في سوريا أمنياً واقتصادياً”، مشدداً على “عدم وجود حل للأزمة السورية في وقت يحاول النظام أن يعود ليحكمنا بالقوة، وتسعى الدول العربية إلى التطبيع معه”.

ومن مدينة طبرق الساحلية الليبية، قال الشاب أمين الطيباوي، 22 عاماً، الذي ينحدر من بلدة النعيمة شرق درعا، أن اثنين من أصدقائه كانا على متن القارب الذي غرق: محمود خالد السعيدي، ومحمد فراس المحاميد، “وهما لا يجيدا السباحة”.

غادر السعيدي والمحاميد الأردن قبل 10 أشهر إلى ليبيا،، كما قال صديقهما، وقد “تعرضا للسجن وواجها الكثير من المصاعب والمشاكل في ليبيا”، مشيراً إلى أن “وجهتهما الأخيرة ألمانيا” لكن انتهى بهم المطاف في مياه المتوسط بعد أن “أغرق خفر السواحل اليونانية القارب كما أخبرنا أحد الناجين”.

وقال المحامي عاصم الزعبي، مدير مكتب توثيق الانتهاكات في تجمع أحرار حوران، أن “التسويات المستمرة التي يستهدف النظام بها أبناء محافظة درعا، على وجه الخصوص، ويربطها بإمكانية الحصول على جوازات السفر، هي بوابة واسعة لهجرة الشباب”، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد شباب درعا في القارب، الذي غرق، مقارنة بأعداد السوريين من محافظات أخرى.

وحذر الزعبي من أن “التطبيع العربي قد يسهم في زيادة وتيرة الهجرة لدواعٍ أمنية، تتعلق بترحيل اللاجئين [من دول الجوار] وتسليمهم للنظام السوري، إضافة إلى دوافع اقتصادية”.

على الرغم من فقدانه صديقيه في قارب بيلوس، قال الطيباوي، الذي خرج من درعا في شباط/ فبراير الماضي: “سأغادر ليبيا في أول قارب”.

ختم الطيباوي حديثه بالقول: “لا تأتوا إلى ليبيا، لأن الوضع سيء جداً ومكلف”، ومع ذلك يحاول هو وأبو عبد الحميد وغيره من الشباب المضي في ركوب مياه البحر. وفيما أعلنت نرمين وعائلة زوجها وفاة ثائر، تصرخ مناشدة: “أرجوكم ساعدوا خالد”.

**

يمكن لأفراد أسر المفقودين في حطام قارب بيلوس الاتصال بالخط الساخن للصليب الأحمر عبر الهاتف على الرقم 00302105230043 ، 00302105140440 (الترجمة الفورية متاحة) أو عبر البريد الإلكتروني على tracingstaff@redcross.gr ، كما يمكن الوصول إلى فريق تحديد ضحايا الكوارث اليونانية التابع لوزارة الهجرة واللجوء على الرقم 00302131386000 و dvi@astynomia.gr

**

تم تحديث هذه القصة بمزيد من التفاصيل الطبية لحالة خالد.

شارك هذا المقال